آلاء أبو الدهب تكتب عن شجاعة نواف سلام في واشنطن
زيارة واشنطن: شجاعة الموقف ورسوخ الأداء التفاوضي لنواف سلام
الاء ابو الدهب _ صحفية _ شؤون دبلوماسية
شكلت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى واشنطن ولقاؤه وزير الخارجية ماركو روبيو علامة فارقة في مسار الدبلوماسية اللبنانية، ومحاولة واعية وابتكارية لإعادة تشكيل المفهوم التفاوضي برمته. القيمة الحقيقية للزيارة لا تُقاس فقط بمدى انتزاع الضمانات من العواصم الكبرى، بل تتجلى قبل ذلك في النجاح الاستثنائي لرئيس الحكومة، وللمرة الأولى منذ عقود، في نقل لبنان من موقع المدافع المتهم برهن إرادته، إلى موقع الصانع المقتدر لقواعد اللعبة التفاوضية والفرض الرصين لمنطق الدولة.
تمثلت النقلة النوعية التي أحدثها سلام في تجاسره الذكي على تفكيك منطق “الدفع المسبق” الذي طالما حُصر فيه لبنان. برفضه المبدئي والحاسم لأن تكون حصرية السلاح واجباً أحادياً تُطالب به بيروت معزولةً، وبفرضه المقتدر لمعادلة التبادلية والمرحلية، أعاد سلام القضية اللبنانية إلى جوهر التوازن السيادي: لا استحقاق أمنياً يُنفذ بالمجان، ولا انتشارات عسكرية تُطلب من الشرعية دون انسحاب إسرائيلي كامل يتوازى معها خطوة بخطوة. كما أن إصراره المباشر على إنشاء “آلية تحقق موثوقة” كان ضربة معلم أزاحت الخلاف من التجاذب السياسي إلى المرجعية الميدانية الصلبة، لسحب بساط الذرائع والأحكام المنفردة وتعرية الاستعلاء الإسرائيلي.
لقد أبدى نواف سلام في واشنطن حنكة ورسوخاً دبلوماسياً رفيعاً، متسلحاً بخبرة حقوقية وسياسية استثنائية أعادت صياغة الموقف اللبناني بأسلوب متماسك وعالي النبرة يفرض احترام المنطق الشرعي للدولة ومؤسساتها. وحتى في ظل الفجوة الهيكلية بين أولويات واشنطن التي تركز على سرعة الإنجاز، وتمسك بيروت بالتزامن الشرطي كضمانة سيادية، يظل التفوق النصي والرؤيوي الذي فرضه سلام مكسباً لبنانياً صريحاً حشر القوى الدولية في زاوية مسؤولياتها الأخلاقية والتنفيذية.
لقد وضع سلام الجميع أمام مرآة التزاماتهم، أثبت أن بيروت تملك رؤية رجل الدولة القادر على خوض معارك التفاوض بكفاءة واقتدار، واضعاً العواصم الكبرى أمام الاختبار الحقيقي لترجمة هذه الرؤية الشجاعة إلى جدول زمني ملزم يضع حداً للإملاءات والاعتداءات الأحادية.
الصفحة الرسمية للجريدة الأوروبية





