رباب يوسف وهبي

إيران بين نار هرمز وضغط الداخل.. حين تتحول الحرب لاختبار

إيران بين نار هرمز وضغط الداخل.. حين تتحول الحرب لاختبار

” إيران بين نار هرمز وضغط الداخل… حين تتحول الحرب إلى اختبار للنظام”
بقلم د. رباب يوسف وهبي
لم تعد المواجهة الإقليمية والدولية مع إيران تدور في حدودها التقليدية القائمة على الاشتباك العسكري الردعي أو رسائل الصواريخ. فمع اتساع رقعة التوتر في مضيق هرمز، وإحالة الملف النووي مجدداً إلى مجلس الأمن، وتصاعد الأزمات الاقتصاديّة، بات الصراع يفرض واقعاً يمس الداخل الإيراني مباشرة، حيث تبرز حدود القدرة على الاستمرار في إدارة المواجهة الخارجية دون أن تتحول أعباؤها إلى استنزاف يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
ويتضح هذا الواقع في مضيق هرمز. فالممر الذي طالما شَكَّل ثقلاً استراتيجياً بيد طهران، تحول إلى نقطة تجاذب مكلفة إقليمياً ودولياً. فرغم أن اضطراب الملاحة وارتفاع أسعار النفط يرفعان كلفة التصعيد على الخصوم ويضغطان على الأسواق العالمية، إلا أن الممر نفسه يشكل شرياناً حيوياً لطهران لتصدير نفطها وتأمين عوائدها الماليّة. وبالتالي، فإن استخدام هذا الخيار يضع الدولة أمام تحدٍ مزدوج،فكلما زادت الضغوط على حركة الملاحة، تسارعت تحركات القوى الدولية للبحث عن مسارات تجارية بديلة، حتى وإن كانت أعلى كلفة.
وبالتوازي مع ذلك، يتقاطع البعد الميداني مع حسابات الوقت. فبينما تسعى الأطراف المتصارعة إلى رفع السقوف التفاوضية، تقود أطراف إقليمية، في مقدمتها سلطنة عُمان، جهوداً حثيثة للتوصل إلى ترتيبات أمنية موقتة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار الملاحي، تجنباً لسيناريو مواجهة مفتوحة يمتد أثرها إلى باب المندب والبحر الأحمر.غير أن التحدي الأبرز لا يتوقف عند الحدود البحرية، بل يمتد إلى العمق الاقتصادي والاجتماعي. فالعقوبات الممتدة وضغوط التضخم وتراجع القدرة الشرائية تضع الشارع الإيراني أمام واقع معيشي ضاغط، مما يجعل الحفاظ على التماسك الداخلي ومقبولية الخطاب الرسمي أمراً شاقاً. أمّاعلى الصعيد السياسي، لم يعد النقاش حكراً على التجاذب التقليدي بين التيارين المحافظ والإصلاحي، بل وصل إلى البرلمان ومؤسسات القرار التي تدرس أداء حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، وسط تجاذب بين معترض على إدارة الملف الاقتصادي ومحذر من تداعيات إضعاف السلطة التنفيذية في لحظة إقليمية حرجة.
ومايزيد المشهد تعقيداً إعادة إحالة الملف النووي إلى مجلس الأمن، مما يحرم الأطراف من مساحات المناورة المريحة. وتبدو واشنطن وطهران في معركة تثبيت شروط قبل أي عودة مفترضة إلى طاولة المفاوضات.
والرهان الحقيقي أمام طهران اليوم لا يتوقف عند إثبات القدرة العسكرية أو تعطيل الملاحة، بل يتجلى في مدى قدرتها على إدارة ملفات الاقتصاد والدبلوماسية والأمن الداخلي كمنظومة متكاملة، وتحويل عناصر القوة إلى تسوية سياسية متوازنة تقي البلاد مخاطر الاستنزاف الطويل.فقد يبقى مضيق هرمز ورقة قوية في يد إيران، وقد يؤدي اضطراب الملاحة إلى رفع كلفة الحرب على خصومها ودفع أسواق الطاقة نحو مزيد من القلق، لكن قوة هذه الورقة تبقى مرتبطة بقدرة طهران على استخدامها من دون أن تنقلب كلفتها عليها. فالممر الذي يمنحها قدرة على الضغط هو نفسه الطريق الذي تحتاج إليه صادراتها، والحرب التي تريد من خلالها تحسين شروط التفاوض قد تتحول(إذا طالت) إلى عامل يضيّق خياراتها.
وربما ستُقاس قدرة إيران على الصمود بمنعها لانتقال آثار الحرب إلى حياة الإيرانيين اليومية. فالدولة قد تتحمل ضربات عسكرية، لكن الحفاظ على مجتمع قادر على تحمل الغلاء والخوف وانسداد الأفق لفترة طويلة أكثر صعوبة.
ومن هنا قد تكون المعركة الأصعب أمام طهران داخل حدودها أكثر مما هي في هرمز. فإذا استطاعت الحفاظ على تماسكها الداخلي، واستثمار أوراق القوة التي تملكها للوصول إلى تفاهم سياسي، فإنها تستطيع الخروج من هذه المواجهة بأقل الخسائر الممكنة. أما إذا طال القتال، وتراجعت قدرة الاقتصاد، واتسعت الخلافات داخل السلطة، فقد تجد نفسها أمام كلفة داخلية لا تعوّضها المكاسب العسكرية وحدها.

شارك المقال