ألف قنبلة واتفاق الإطار… من يرسم مصير لبنان؟
د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
أتمنى أن تُقرأ هذه المقالة على أوسع نطاق، لأن ما يجري حول لبنان لم يعد خبرًا عسكريًا عابرًا، بل تطوّرًا سياسيًا وأمنيًا يستحق أن يقلق كل لبناني.
الولايات المتحدة تستعد لتزويد إسرائيل بحزمة عسكرية ضخمة تبلغ قيمتها نحو 2.8 مليار دولار، تتضمن 40 ألف قنبلة زنة ألفي رطل، بينها 20 ألف قنبلة MK-84 و20 ألف BLU-117، إضافة إلى ذخائر اختراق مخصصة للأهداف المحصنة وتحت الأرض.
قد لا يعني ذلك أن لبنان هو الهدف، ولا يمكن اعتبار هذه الصفقة دليلًا قاطعًا على حرب مقبلة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو، إذا كان المسار السياسي في المنطقة يتجه نحو التفاوض ووقف الحروب، فلماذا تتعزز في المقابل ترسانة الحرب بهذا الحجم؟
والأهم أن علينا أن نفهم طبيعة هذه الأسلحة. نحن لا نتحدث عن صواريخ استراتيجية بعيدة المدى مخصصة، في أصل طبيعتها، لضرب أهداف على آلاف الكيلومترات؛ بل عن قنابل جوية ثقيلة تعتمد على الطائرات التي تحملها وتلقيها. وهذا يجعل السؤال أكثر قربًا من ساحات المواجهة القائمة: غزة، الجنوب اللبناني، والجنوب السوري، والمناطق المحيطة بمسرح العمليات الإقليمي.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة هذه الترسانة.
غزة أولًا، حيث أثارت القنابل الثقيلة من هذا النوع أصلًا مخاوف واسعة بسبب قدرتها التدميرية العالية، ولا سيما في المناطق ذات الكثافة السكانية. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن هذه الفئة من القنابل ارتبطت بمخاوف من وقوع أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وهو ما كان أحد أسباب وقف إدارة بايدن السابقة شحنة من القنابل الثقيلة إلى إسرائيل.
والجنوب اللبناني ثانيًا، وهو الأخطر بالنسبة إلينا. فلبنان ليس أمام احتمال نظري بعيد؛ الجنوب يعيش أصلًا واقعًا أمنيًا هشًا، فيما لا تزال ترتيبات الانسحاب الإسرائيلي وتطبيق اتفاق الإطار موضع تفاوض وتوتر. وفي 26 حزيران 2026 وُقّع في واشنطن اتفاق إطار ثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، وُصف بأنه خطوة أولى نحو إنهاء النزاع واستعادة السيادة اللبنانية، بينما بقيت ملفات أساسية على الأرض مفتوحة.
فكيف نفهم التناقض بين اتفاق إطار يفترض أن يقود إلى خفض التصعيد وإنهاء النزاع، وبين وصول خبر عن صفقة تتضمن عشرات الآلاف من القنابل الثقيلة القادرة على تدمير مبانٍ ومنشآت محصنة؟
أما الجنوب السوري، فهو أيضًا جزء من الصورة الإقليمية التي لا يمكن للبنان أن يتجاهلها. فكل توسع في استخدام الذخائر الجوية الثقيلة في ساحات قريبة من الحدود اللبنانية يعني أن المنطقة المحيطة بلبنان تبقى معرضة لاحتمالات التصعيد وتبدل قواعد الاشتباك. وهذا لا يعني أن هذه القنابل مخصصة للجنوب السوري أو للبنان؛ فلا توجد لدينا أدلة علنية تثبت وجهتها النهائية. لكن وجود ترسانة بهذا الحجم في منطقة ملتهبة يرفع مستوى القلق بشأن كيفية استخدامها وأين.
والأهم أن هذه ليست منظومة صواريخ بعيدة المدى مخصصة لضرب إيران أو الحوثيين أو العراق تحديدًا. ولذلك فإن الربط بين هذه القنابل وبين كل جبهة إقليمية يجب أن يكون حذرًا. لكن في الوقت نفسه، لا يجوز تجاهل أن طبيعة القنبلة الجوية الثقيلة تجعل استخدامها مرتبطًا بالقدرة على الوصول بالطائرات إلى مسرح العمليات، وبالتالي فإن ساحات المواجهة القريبة من إسرائيل تبقى جزءًا منطقيًا من دائرة المخاطر المحتملة.
وهنا يصبح الخطر بالنسبة إلى لبنان أعمق من مجرد احتمال سقوط القنابل.
الخطر الحقيقي هو أن تتحول القوة العسكرية إلى وسيلة لفرض واقع سياسي وأمني جديد على أرض لبنان إذا تعثرت المفاوضات.
فالسيادة لا تعني أن يكون لبنان موجودًا على الخريطة فقط؛ السيادة تعني أن تكون الدولة قادرة على حماية حدودها، وأن يكون الجيش اللبناني حاضرًا على كامل الأراضي اللبنانية، وأن يكون قرار الحرب والسلام لبنانيًا، وألا تتحول المناطق اللبنانية إلى ساحات مفتوحة للعمليات العسكرية أو إلى أوراق تفاوض في أيدي الآخرين.
ومن هنا، فإن اتفاق الإطار يجب ألا يتحول إلى مجرد ورقة سياسية، بل إلى مسار واضح نحو الانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات، وتثبيت الحدود، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، وحصر القرار الأمني والعسكري بالمؤسسات الشرعية.
وفي المقابل، فإن استعادة الدولة اللبنانية قرارها السيادي تعني أيضًا أن تكون الدولة قادرة على فرض سلطتها على كامل أراضيها، لأن السيادة لا يمكن أن تكون مجتزأة أو انتقائية.
لا يمكن للبنان أن يطالب بسيادة كاملة فيما يبقى جزء من قراره الأمني خارج مؤسسات الدولة، كما لا يمكن أن تكون المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة مبررًا لبقاء قوات أجنبية داخل الأراضي اللبنانية أو لاستمرار الاعتداءات عليها.
المعادلة التي يحتاجها لبنان واضحة: دولة واحدة، قرار واحد، جيش واحد، سيادة كاملة، وانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية.
ولهذا تصبح الـ40 ألف قنبلة جرس إنذار سياسيًا، لا لأنها تعني حتمًا أن لبنان سيكون هدفًا لها، بل لأنها تأتي في منطقة لم تُغلق فيها ملفات الحرب والانسحاب والسيادة بعد.
فالمنطقة لم تصل بعد إلى سلام مستقر، والجنوب اللبناني لم يتحول بعد إلى منطقة خالية من المخاطر، وغزة لا تزال تحمل آثار حرب مدمرة، بينما تبقى الجبهة السورية جزءًا من المشهد الإقليمي المتوتر.
وإذا انهار المسار التفاوضي، فإن السؤال لن يكون فقط من يملك القنابل؟
بل أين ستُستخدم؟ ومن سيدفع ثمنها؟
لبنان تحديدًا لا يستطيع تحمل حرب جديدة.
فاللبناني الذي دفع ثمن الحروب والتهجير والدمار لا يستطيع أن يتحمل دورة جديدة من القصف والنزوح وإعادة الإعمار، ولا يستطيع أن يبقى رهينة صراعات إقليمية تُتخذ قراراتها خارج مؤسسات الدولة اللبنانية.
وهناك خطر آخر لا يقل خطورة عن التصعيد العسكري: تآكل الثقة بالدولة وانفجار الغضب الشعبي.
فاللبناني الذي يعاني أصلًا من الغلاء والضرائب وتراجع قدرته على تأمين حاجاته الأساسية، والذي عاش سنوات من الأزمات والحروب، قد يصل إلى مرحلة يشعر فيها بأن الدولة لا تستطيع حمايته ولا حماية أرضه ولا تحديد مستقبله.
لا يمكن التنبؤ بموعد أو حجم أي احتجاجات مستقبلية، لكن تجاهل هذا الاحتقان ليس سياسة.
وعندما تتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فوق الخوف من حرب جديدة، يصبح الشارع عاملًا سياسيًا لا يمكن تجاهله.
لذلك تقع المسؤولية اليوم على الدولة اللبنانية قبل أي طرف آخر.
المطلوب ليس الذهاب إلى الحرب، بل منع الحرب قبل أن تبدأ.
وليس رفض التفاوض، بل استخدام التفاوض لحماية الحقوق والسيادة اللبنانية.
وعلى الدولة أن تتمسك باتفاق الإطار بما يحفظ حقوق لبنان، وأن تطالب بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، وأن تعزز الجيش اللبناني، وأن تعمل على تثبيت الحدود، وأن تمنع تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة للصراع.
والأهم أن يشعر اللبناني بأن هناك دولة تفاوض باسمه وتحمي أرضه وتملك قرارها، لا دولة تنتظر ما سيقرره الآخرون.
فالـ40 ألف قنبلة قد تكون مخزونًا عسكريًا لسيناريوهات متعددة، وقد تُستخدم في أكثر من مسرح عمليات، ولا نملك اليوم دليلًا يثبت أنها موجهة إلى لبنان أو الجنوب السوري تحديدًا.
لكن الخطر السياسي الذي لا يجوز تجاهله هو أن تمتلك المنطقة ترسانة هائلة من القنابل الثقيلة، بينما تبقى ملفات الحرب والحدود والسيادة مفتوحة.
لقد مرّ لبنان بهذا المشهد مرات كثيرة تبدأ الأزمة خارج الحدود، ثم تنتقل إلى الداخل، ثم يدفع المواطن الثمن، ثم تبدأ المفاوضات بعد أن يكون الدمار قد وقع.
هذه الحلقة يجب أن تنتهي.
لا نريد أن تُرسم حدود لبنان بالقنابل، ولا أن تُحدد سيادته بالصواريخ، ولا أن يُقرر مستقبل شعبه في عواصم أخرى.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط أن تسقط القنابل على لبنان؛ بل أن تسقط هيبة الدولة، ثم يسقط معها صبر الناس.
وعندما تتراكم القنابل على الحدود، والأزمات داخل البلد، والغضب في الشارع، قد يصل لبنان إلى لحظة يصبح فيها السؤال أخطر من الحرب نفسها:
هل ستتحرك الدولة قبل أن تنفجر القنابل… أم ستنتظر حتى ينفجر الشارع؟
فالحرب قد تدمر الحجر، لكن فقدان السيادة قد يغيّر مصير الوطن كله.





