لقاء جامع يبحث العلاقات التاريخية بين طرابلس وجبل عامل
لقاء جامع يبحث العلاقات التاريخية بين طرابلس وجبل عامل.
عقدت الجلسة الحوارية الثالثة التي نظمتها الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والأرشيفات والإرث الثقافي في لبنان “تليد”، و”الرابطة الثقافية في طرابلس”، بعنوان “الإرث الثقافي في مواجهة المحو: جسور الحبر والذاكرة”. وذلك في قاعة المؤتمرات في الرابطة الثقافية طرابلس بحضور حشد من شخصيات طرابلسية وشمالية ورجال دين.
وتحدث الدكتور عماد غنوم ممثلا مدير عام وزارة الثقافة الدكتور علي الصمد الذي شكر الرابطة الثقافية والشبكة الوطنية على هذه اللقاءات الجامعة مؤكدا دعمه الكامل لهذه المبادرات
ودعا مؤسس الشبكة هادي بكداش عن أمله في تحويل عنوان الجلسة من البعد النظري إلى مدخل للبحث في ما يجمع اللبنانيين، وما يصل بين المشرق والعالم، وفي سبل حماية الذاكرة الثقافية في زمن تتعرض فيه المكتبات والأرشيفات والمؤسسات الثقافية لخطر التدمير أو الإهمال أو النسيان.
وعن اختيار طرابلس مكاناً لانعقاد الجلسة، أوضح أن المدينة شكلت، على مدى قرون، مساحة للعلم والكتاب والتجارة والفكر، ومركزاً للتواصل بين مدن لبنان ومناطقه، وبين المشرق والعالم.
وقال: “من هنا نفتح اليوم نافذة على جانب من العلاقة التاريخية والثقافية بين طرابلس وجبل عامل، وهي علاقة لم تكن محصورة في الجغرافيا، بل عبرتها حركة العلماء والطلاب والكتب والأفكار”.
وشرح بكداش أهداف “تليد”، مؤكداً أن المكتبة والأرشيف والكتاب ليست شأناً خاصاً بمؤسسة أو مدينة، بل هي جزء من الذاكرة الوطنية اللبنانية. وأضاف أن “ما شهدناه خلال السنوات الأخيرة من تضرر وتدمير عدد من المكتبات والمراكز الثقافية جعل هذه المسألة أكثر إلحاحاً، ولهذا جاءت حملة المليون كتاب للبنان”.
ثم تناول نائب رئيس “الاتحاد الفلسفي العربي”، الدكتور مصطفى الحلوة، موضوع “العلاقات التاريخية والفكرية المشتركة بين طرابلس وجبل عامل”. وفي مستهل كلمته، ثمّن جهود “تليد”، الرامية إلى إعادة ترميم وبناء المكتبات العامة والخاصة المتضررة، وحفظ الذاكرة الثقافية في جنوب لبنان وجبل عامل، قبل أن ينتقل إلى عرض عدد من المحاور التاريخية والثقافية.
وتحدث الحلوة عن العلاقات التاريخية والوطنية المشتركة بين طرابلس وجبل عامل، مستهلاً عرضه بدولة بني عمار في طرابلس (1070 – 1109)، وهم من الشيعة الإمامية، حيث غدت طرابلس في عصرهم درة ثقافية، ولا سيما من خلال “دار العلم”، التي ضمت مكتبة احتوت عشرات آلاف الكتب والمخطوطات، قبل أن يحرقها الصليبيون عند سقوط طرابلس في أيديهم.
واستعرض الأرضية النضالية المشتركة بين طرابلس وجبل عامل في أواخر العهد العثماني، ثم في ظل الانتداب الفرنسي، متوقفاً عند الزعيم الطرابلسي عبد الحميد الكرامي، ومؤتمر وادي الحجير عام 1920، الذي شاركت فيه زعامة جبل عامل الدينية والوطنية، حيث كان الإصرار آنذاك على عدم الانضمام إلى الكيان اللبناني الجديد والبقاء مع سوريا.
وانتقل بعد ذلك إلى الديمغرافيا والعائلات ذات الجذور الواحدة في العلاقات المشتركة بين طرابلس وجبل عامل، مشيراً إلى وجود عائلات وذرار فقهية وعلمية وتجارية من أصول واحدة تتوزع بين المنطقتين، ومستعرضاً حركة تنقلها بينهما.
وفي العلاقات الفكرية والثقافية المشتركة والتبادلية بين طرابلس وجبل عامل، توقف الحلوة عند عنوانين أساسيين، أولهما التفاعل العلمائي والأدبي الطرابلسي على صفحات مجلة “العرفان”، التي أنشأها الشيخ أحمد عارف الزين عام 1909، مشيراً إلى عينة من العلماء والأدباء الطرابلسيين الذين كتبوا فيها.
أما العنوان الثاني، فتناول يوبيل “بلبل سوريا”، الأديب والشاعر عبد الحميد الرافعي عام 1929، حيث شاركت في الاحتفاء به وفود من لبنان والبلاد العربية، وكان في عدادها وفد من جبل عامل ضم إمام النبطية الشيخ عبد الحسين صادق، والعلّامة الشيخ سليمان ظاهر العاملي، اللذين ألقيا قصيدتين طويلتين أشادا فيهما بالمكرّم وبطرابلس.
وختم الحلوة بالقول: “عود على بدء… وتاريخ المغول يعيد نفسه مع البرابرة الجدد”، متوقفاً بإيجاز عند تاريخ حرق المكتبات، من “دار العلم” في طرابلس، مروراً بحرق “بيت الحكمة” في بغداد على أيدي المغول، وصولاً إلى تدمير مكتبات جبل عامل على أيدي “البرابرة الجدد”.
وفي المحاضرة تناولت دراسة للباحث الشيخ علي خازم بعنوان “القرآن الكريم في الفضاء اللبناني: المصحف المخطوط شاهداً على المشترك الثقافي والتاريخي من طرابلس وجبل عامل إلى الحواضر اللبنانية”، قال خازم إن دراسته “تنطلق من إشكالية الصمود التاريخي للمخطوط القرآني في جغرافية الجمهورية اللبنانية، مستهدفة فحص الشروط المادية لحفظه في ظل غياب وثائق وقفية مباشرة تؤرخ لحركة انتقال المصاحف بين قطبي الحواضر العلمية: طرابلس في الشمال وجبل عامل في الجنوب”.
وأضاف: “عوضاً عن التفتيش في الروابط التوثيقية الجافة، يعتمد البحث على استقرائنا الميداني في مركز صحف لحفظ التراث القرآني، وبناء على الحصيلة المعرفية لكتابنا “المصاحف اللبنانية” وقراءتنا المقارنة لمدونات المؤرخ فيليب طرزي في “خزائن الكتب في الخافقين”، لننتقل بالمسألة إلى فحص وحدة التجربة المادية والمصير التاريخي الوجداني للنص الشريف داخل فضاء لبناني متكامل يضم البقاع وبيروت وجبل لبنان”.
وذكر أن التقصي يتوزع على 4 جبهات بحثية، تتناول أولاها الجذور الثغورية المبكرة المتمثلة في قرآن الأمير أماجور في القرن الثالث الهجري، والربط التاريخي بين أوقافه في صور وطرابلس، معززاً ذلك بما أثبته البروفيسور عمر تدمري من نماذج مملوكية شمالية.
وفي الجبهة الثانية، ينتقل البحث، بحسب خازم، “إلى تشريح الخصائص الفنية الفريدة للمصاحف اللبنانية، ولا سيما تقنيات الكتابة بالظفر، ونماذج الحروف المهملة، والنسخ على رق الغزال”، فيما يعيد المحور الثالث قراءة حركة الأسر والمدارس العلمية الحاضنة لهذه النفائس، متتبعاً مسارات الهجرة الجغرافية والتنوع اللغوي، ومنها المصاحف المكتوبة بالكرشوني والتراث المحفوظ في الأديرة.
أما المحور الرابع والأخير، فقال إنه: “يعالج تاريخ الفقدان والرزايا عبر خط زمني ممتد يثبت فكرة المصير المشترك للكتاب في لبنان، بدءاً من إحراق دار العلم في طرابلس، وتدمير الجزار لمكتبة شقرا، وعصف النيران بمخطوطات زحلة، مروراً باستهداف المكتبة الوطنية في حرب السنتين، وليس آخراً الفاجعة الثقافية المعاصرة المتمثلة في إحراق مكتبة الأب إبراهيم سروج في طرابلس عام 2014، وصولاً إلى ذروة التدمير الهائل والوحشي الذي يلحقه العدوان الإسرائيلي المستمر بالحواضر والمجموعات الخطية العائلية في الجنوب والبقاع”.
وخلص إلى أن دراسته تتناول “الفقدان والنجاة” اللذين “صارا مشتركاً حضارياً عابراً للمناطق والطوائف، بحيث غدت أي نسخة مخطوطة باقية اليوم بمثابة ناجٍ تاريخي يشكل وثيقة هوية جامعة”، مشيراً إلى أن المسار اختتم بالتحول التقني المحدود نحو المطابع المبكرة في قزحيا وبيروت، وصولاً إلى توصيات إجرائية لإنقاذ ما تبقى من هذا التراث الروحي.
أدارت الندوة الدكتورة سوسن الأبطح، واختتم اللقاء بحوار مفتوح مع الحضور. كما اكد رئيس الرابطة الثقافية الصخافي د. رامز الفري للاعلام بان الرابطة الثقافية في طرابلس، تفتح أبوابها دائماً لكل مبادرة تعزز حضور الثقافة وتحافظ على ذاكرتنا وتراثنا.
إن موضوع لقائنا اليوم، «الإرث الثقافي في مواجهة المحو: جسور الحجر والذاكرة»، يحمل أهمية خاصة، لأن حماية التراث ليست حماية للحجر وحده، بل هي حماية للذاكرة والهوية والتاريخ، وحفظٌ للجسور التي تربط حاضرنا بماضينا وتصنع وعينا بالمستقبل.
ونحن نؤمن بأن الكتاب، والمكتبة، والمخطوط، والمبنى التراثي، وكل أثر من آثارنا، يشكل جزءاً من ذاكرتنا الوطنية والإنسانية، وأن مسؤولية الحفاظ عليه هي مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الرسمية والثقافية والأهلية والأجيال الجديدة.
كما شكر الفري الشبكة الوطنية «تليد» على هذه المبادرة، متمنين لهذا اللقاء النجاح في فتح نقاش جاد حول سبل حماية إرثنا الثقافي وتعزيز التعاون من أجل صونه.







