الدكتور سابا زريق

د. سابا زريق يكتب: الاعتدال بوصلة خط الرجعة

د. سابا زريق يكتب: الاعتدال بوصلة خط الرجعة

الاعتدال بوصلة «خط الرجعة»

بقلم الدكتور سابا قيصر زريق

أحار، عند محاولتي وصف فضائل الاعتدال، الذي أكثرت منه دون مغالاة، في مقالات سابقة، مفتشاً عن عيب يتيم فيه، يجعلني أصرف النظر عن المضي في حملتي الترويجية له؛ وعبثاً حاولت. علّمتني محصّلة دأبي دوماً أن لا مفرّ من اعتماده خارطة طريق لسلوكياتنا في ما نقدم عليه، من أي موقع نتواجد فيه، ومهما كانت الوجهة التي نقصدها والهدف الذي ننشد بلوغه

ويا ليت أولئك الذين نصَّبهم قانون أرعن، هجين المحتوى، يدركون ذلك. إن أكثر ما يُصدِق ما أسلفت، تراشق وكلائنا النواب بكلام مستهجن خلال انعقاد جلسات الجمعية العامة مؤخراً، كادت قبة البرلمان تنفجر بسببها حياءً وخجلاً. إن التصاريح النارية التي أطلقوها آنذاك، وما زالوا يطلقونها، من مخيماتهم المتناحرة، لا تخلو من التحدّي، استدراجاً لخطاب مقابل يضاهيها انحطاطاً. أما الطامة الكبرى، فهي المحادثات التي تجري عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو، كما وصفتُها يوماً، «وسائل التباعد الاجتماعي»، إذ أن لهجتها وصلت إلى درك متدنٍّ جداً من البذاءة والسفالة، مع ما يرافقهما من بلاهة. فلنتأمّل مليّاً ونحلم بما تكون الحال عليه لو طغى الاعتدال على حواراتنا، ولو أتى الهدوء الحضاري على ضجيجها المزعج

كم من السياسيين، الذين يعشقون الشاشات والأضواء، فُرض عليهم، أو فرضوا على أنفسهم، التنقل مراراً وتكراراً من ضفة إلى أخرى، مواجهين في ترحالهم ازدراء مراقبيهم، وحتى ناخبيهم، لعدم التزامهم بمسيرة سياسية واضحة وثابتة. إن الأمور في بلدنا، أكثر من أي بلد آخر، لا تستقرّ طويلاً على حالها، بل هي في تقلّب مستمر. وفي هذا السياق، تؤكد لي المقولات الآتية قِصر نظر سياسيينا وانعدام رؤاهم. رضي الله عن عمر بن الخطاب، عندما قال: «لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفاً»؛ وكرّم الله وجه علي بن أبي طالب، لقوله: «أحبب حَبِيبكَ هَوناً مَا عَسَى أن يكونَ بَغيضكَ يوماً ما، وأبغض بَغيضَكَ هَوناً ما عسى أن يكُونَ حبيبَكَ يَوماً ما». أثبت التاريخ واقعية وصدق هذه المقولات الممكن عطفها على ما جاء في الإنجيل المقدّس: «… الآخِرون أولون والأولون آخِرون». أضف إلى ذلك «أصدقاء اليوم أعداء الغد والعكس صحيح». فمنهم من ينادي بلبنان العشرة آلاف وأربعمائة واثنين وخمسين كيلومتراً مربعاً، ومنهم، من غير المتنورين، من يطالعنا بطروحات همايونية يتفلسفون في تفسيرها، مبررين وجوب اعتمادها على الرغم من أنهم يدركون أنها تؤدي إلى تفتيت الوطن وشرذمة أبنائه، تمهيداً لزواله كوطن جامع لهم جميعاً

رأفةً بالعباد، واختزلوا المسافات التي تبعدكم عن بعضكم وأنعشوا الحوار ولتتحوّل خلافاتكم الجارحة والعقيمة إلى اختلافات طبيعية قابلة للإدارة والحوار، توصلاً في نهاية المطاف إلى حلول تنبت سلاماً ووئاما. واعتصموا بالاعتدال فهو، على لسان حكماء وعلماء وفلاسفة، فضيلة شاملة، «تتضمن كل الفضائل»، على ما وعاه وبشّر به شيشرون، احد أبرز أعلام الأدب والخطابة والفكر السياسي في روما القديمة.استكشف التاريخ

شارك المقال