جمانة شهال تدمري: سيدة الذاكرة والتراث لطرابلس
جمانة شهال تدمري
سيدة الذاكرة والهوية والهدف الإنساني
شخصية الأسبوع
بقلم الاستاذ مصطفى جمعة
في المدن التي عاشت طويلا
لا يمضي الزمن فيها كما يمضي في سواها. فالحجر فيها ليس حجرا فحسب
والدار ليست دارا والطريق القديم
ليس سبيلا يعبره الناس ثم ينسونه.
لكل شيء فيها ذاكرة وللذاكرة لسان
وللأماكن روح لا يدركها
الا من عرف كيف يصغي الى صمتها.
ومن بين ابناء طرابلس
الذين حملوا هذه الروح في وجدانهم
واتسعت اقامتهم بين لبنان وفرنسا
تبرز الدكتورة جمانة شهال تدمري
شخصية اقترنت بالتراث والبحث والمعرفة
وبقيت طرابلس حاضرة في سيرتها وفكرها وعملها لا تفارقها حيثما امتدت بها الحياة.
ومن هنا يمكن فهم
ذلك العطاء المتصل الذي جعلها تنظر الى تراث المدينة بعين لا ترى في العمارة حجرا صامتا
بل ترى فيها شهادة انسانية على اجيال مضت. فالمدينة القديمة عندها
ليست مجموعة من الابنية التي حفظها الزمن من السقوط بل كتاب مفتوح تتعاقب على صفحاته حكايات الناس والتجار والعلماء والحرفيين والعابرين الذين ترك كل منهم شيئا من حياته في جدرانها واسواقها وخاناتها ومساجدها وبيوتها.
وحين تولت رئاسة جمعية تراث طرابلس لبنان والجمعية النظيرة في فرنسا لم يكن التراث عندها بابا من ابواب الاحتفال بالماضي ولا مادة لتزيين الذاكرة بالصور والاسماء بل كان شأنا حيا يستحق البحث والتوثيق والحماية والتعريف.
وقد استطاعت بما جمعته من معرفة وصلات واسعة ان تجعل من تراث طرابلس لغة للتخاطب مع العالم وان تفتح للمدينة بابا من ابواب الدبلوماسية الثقافية التي لا تحتاج الى كثير من القول كي تقول ..
ان لهذه المدينة تاريخا يستحق ان يصان وان لها في سجل الحضارة موضعا لا يجوز ان يطمس.
فالحجر عندها ليس جمادا
وانما شاهد على الزمن يحمل في صمته سيرة الذين مروا به وتركوا في جنباته شيئا من حياتهم. والخان ليس بناء قديما فحسب بل صفحة من كتاب المدينة والسوق ليس موضعا للتجارة وحدها والجامع والمدرسة والبيت والحمام ليست معالم منفصلة عن حياة الناس وانما هي فصول متعاقبة من سيرة طرابلس تشابكت فيها التجارة والعلم والدين والحرفة والعمران.
ومن هنا يصبح الحفاظ على التراث
حفاظا على معنى المكان نفسه
وعلى ذاكرة مدينة وعلى حق الاجيال المقبلة
في ان تعرف من اين جاءت
والى اي تاريخ تنتسب.
وفي عضويتها في مجلس ادارة معرض رشيد كرامي الدولي وتوليها رئاسة اللجنة الثقافية فيه يبرز وجه آخر من وجوه هذه الشخصية التي لا تفصل بين الثقافة والتنمية ولا بين حفظ الذاكرة وصناعة المستقبل.
فهي تدرك ان الصروح الكبرى لا تُحفظ قيمتها بمجرد صون جدرانها وانما بما يمكن ان تنهض به من ادوار في حياة الناس.
ومن هذا المنظور تنظر الى معرض رشيد كرامي الدولي لا بوصفه معلما معماريا فريدا وحسب بل بوصفه موضعا تلتقي فيه العمارة بالثقافة والتاريخ بالمستقبل والمدينة بالعالم.
وهنا تتجلى خصوصية تجربتها ..
فهي لا تضع الماضي في مواجهة المستقبل
ولا ترى في الحداثة خصما للذاكرة
بل تنظر الى الاثنين في سياق واحد.
اذ لا مستقبل بلا ذاكرة
ولا ذاكرة حية بلا قدرة على التجدد.
اما قلمها فله شأن آخر.
فهي حين تكتب لا تستعير من الماضي زخرفته ولا تتخذ من المعرفة وسيلة للاستعلاء على القارئ.
وانما تدخل الى الموضوع من بابه الواسع ثم تمضي فيه بعين الباحثة التي لا تستعجل الحكم وبعقل يدرك ان القضايا اعمق من ان تختصر في موقف عابر او شعار جاهز.
وفي كتاباتها يتجاور التاريخ والسياسة والثقافة والمجتمع فتبدو الكلمة عندها مسؤولية قبل ان تكون موقفا والفكرة وسيلة للفهم قبل ان تكون وسيلة للخصومة. وهي في ذلك لا تجعل الانتماء حجابا يحول دون رؤية المشهد في اتساعه.
ولعل اجمل ما في تجربتها انها لم تجعل من المعرفة اقامة في برج بعيد عن الناس.
فقد بقيت قريبة من المدينة ومن همومها ومن تاريخها ومن الاسئلة التي تعيشها.
وهي في ذلك تمثل نموذجا للباحثة التي لا تكتفي بأن تدرس الموضوع بل تشعر بمسؤوليته وبالمغزى الذي ينطوي عليه.
ولعل ذلك هو المعنى الادق للدبلوماسية الثقافية حين تتحول الثقافة من مجرد تعريف بالذات الى وسيلة للتعارف بين الشعوب ومن مجرد استعادة للماضي الى سبيل لحماية المستقبل.
وجمانة شهال تدمري في نهاية المطاف ليست اسما يضاف الى سجل العاملين في التراث والثقافة والعمل العام فحسب.
انها واحدة من اولئك الذين يؤمنون بأن المدن لا تحفظها الابنية وحدها وانما يحفظها ايضا من يعرف قيمتها ومن يروي تاريخها ومن يصون ذاكرتها ومن يفتح لها الطريق الى الغد.
واذا كان للمدن العريقة حراس لا يحملون مفاتيحها في ايديهم بل يحملونها في ذاكرتهم
فإن جمانة شهال تدمري واحدة من هؤلاء.
وحين ينطق الحجر وتستعيد الذاكرة صوتها ويصبح الماضي بابا الى المستقبل نعرف شيئا من معنى الوفاء لمدينة لا تزال بعد قرون طويلة تملك من الحكاية ما يكفي لكي تقول للعالم انها لم تكن يوما مدينة عابرة في التاريخ.
جمانة شهال تدمري
كل المحبة والتقدير لكِ وللعطاء الذي لا ينتهي






