الأستاذ ربيع مينا

حين سقط المجتمع قبل أن ينتصر التافهون: قراءة في أزمة القيم

حين سقط المجتمع قبل أن ينتصر التافهون: قراءة في أزمة القيم

حين سقط المجتمع قبل أن ينتصر التافهون

كتب الاستاذ ربيع مينا

لم يسقط المجتمع فجأة، ولم يُهزم بضربة واحدة، سقط حين تعب العقل، ونام الضمير، وتحوّل الصمت إلى شراكة غير معلنة، وحينها فقط، تقدّم التافهون… لا لأنهم الأقوى، بل لأن الفراغ كان أوسع من أن يُحتمل.
لم ينتصروا بجدارتهم، بل بإنسحاب أهل القيمة، لم يصعدوا بفكرة، بل بتسوية، ولم يحكموا بعقل، بل بضجيج، إنه زمن اختلال المعايير.
حين تساوت الحقيقة بالرأي، والعلم بالإدّعاء، والوقار بالتهريج، زمنٌ لم يعد يُكافئ الجهد، بل يُصفّق للسطحية، ولم يعد يرفع الكفاءة، بل يُدوّر الرداءة حتى تصبح “طبيعية”.
سقطت التربية قبل أن تسقط السياسة، وتراجعت الأخلاق قبل أن ينهار الإقتصاد، وضاع الوعي يوم قُدّمت المصلحة الضيقة على الصالح العام، وحين صار السؤال تهمة، والإعتراض خيانة، والتفكير عبئاً لا يُحتمل.
في هذا المشهد، أُقصي الحكماء لأنهم لا يجيدون البيع، وحورب النزهاء لأنهم لا يُجيدون المساومة،
وخُنقت الثقافة لأن المجتمع استبدل الوعي بالترفيه الفارغ، والقيمة بعدد المتابعين لا بعمق الفكرة، لم يعد الفساد انحرافاً، بل أصبح نظاماً،
ولم يعد الخطأ استثناء، بل قاعدة محمية بالصمت والخوف والتبرير.
ومن يرفض الإنحناء يُكسر، ومن يرفض التلوّن يُهمّش، ومن يصرّ على الكرامة يُتّهم بأنه “خارج الزمن”.
ومع ذلك، يبقى السؤال معلقاً في وجدان كل حرّ:
هل نترك المجتمع يسقط أكثر،
أم نبدأ من جديد بإعادة بناء الإنسان؟
هل نستسلم لزمن التفاهة، أم نُعيد الإعتبار للعقل، للقيم، للصدق، وللإنسان؟
قد يطول ليل الإنحدار، لكن التاريخ لم يكتب يوماً انتصاراً دائماً للرداءة.
فما دام هناك من يرفض الصمت،
ومن يؤمن أن بناء الإنسان هو البداية والنهاية…
فإن الفجر، مهما تأخر، آتٍ.

جمعية بناء الإنسان
صوت الناس

شارك المقال