لبنان 2026: حكومة التردّد بين الضغوط الدولية والانقسام الداخلي
“بيروت في قبضة التردد وسُلطة تدرك المخاطر ولا تملك الجرأة، هكذا دخل لبنان 2026 بلا قرار”
بقلم الدكتورة رباب يوسف وهبي
داخل أروقة السراي الحكومي لم تعد النقاشات تدور حول بنود الموازنة أو خطط التعافي الاقتصادي، بل تحولت طاولة الحوار إلى غرفة عمليات سياسية يتخللها انقسام صامت وأحياناً حاد حول كيفية إدارة المواجهة مع الخارج والداخل. فالحكومة اللبنانية التي تحاول تسويق فكرة القيادة الموحدة تعيش في الواقع حالة من الفصام السياسي حيث يجد رئيس الحكومة نفسه في مواجهة تيارين متصارعين، تيّار يرى في الانصياع للمطالب الدولية ممرًا إلزاميًا لحماية ما تبقى من هيكل الدولة، وتيار آخر يعتبر أن أي تنازل ميداني تحت الضغط هو انتحار سياسي وفتح الباب أمام وصاية خارجية طويلة الأمد.
هذا الاختلاف لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر بل تحول إلى صراع على (قرار السلم والحرب).
وفي الوقت الذي تسعى فيه القوى السياسية القريبة من الغرب دفع الحكومة لتبني خطاب أكثر حزماً في تطبيق القرارات الدولية، تصر القوى المرتبطة بالمقاومة على أن الجيش عليه أن يتحرك كـشريك وحامي للمجتمع وليس كـأداة لتنفيذ مطالب الخارج. هذا الاشتباك السياسي داخل مجلس الوزراء يعطل القدرة على اتخاذ قرارات سيادية واضحة ويجعل من الموقف اللبناني الرسمي يبدو مهتزاً أمام السفراء الدوليين الذين بدأوا يشعرون بأن الحكومة اللبنانية تملك “النوايا” لكنها لا تملك “القرار”.
في الوقت نفسه تتزايد الضغوط من “الأجنحة السيادية” التي بدأت ترفع صوتها محذرة من أن رهن مصير البلاد بتوازنات السلاح سيؤدي في نهاية المطاف إلى خسارة الغطاء العربي والدولي بالكامل. هذه القوى ترى أن الحكومة بصمتها أو ببطء حركتها تمنح إسرائيل الذريعة الذهبية التي تحتاجها لتوسيع رقعة عملياتها. وفي المقابل، يرى الفريق الآخر أن “الاستعجال” في تلبية الشروط الإسرائيلية والأمريكية سيؤدي إلى تصدع الجبهة الداخلية وربما الانزلاق نحو فتنة مذهبية أو مناطقية وهو ثمن تراه هذه القوى أغلى بكثير من كلفة الصمود العسكري.
هكذا، يجد لبنان نفسه أمام حكومة تصريف مخاطر لا صناعة قرارات. كل خطوة يخطوها الجيش في الجنوب يتم وزنها بميزان الذهب في بيروت، خوفاً من أن تؤدي حركة زائدة إلى انفجار داخلي أو تؤدي قلة الحركة إلى انفجار خارجي. هذا الشلل المقنّع جعل الدولة اللبنانية تظهر في مطلع 2026 في صورة كيان يحاول إدارة الأزمة بدلاً من حلها منتظراً معجزة ديبلوماسية تُخرج البلاد من ضغط الشروط الدولية والرغبة الجامحة لإسرائيل في التصعيد، وهنا يبدو الوقت قد أصبح السلعة الأغلى ثمناً والتي لم يعد احداً مستعداً لمنحها لبيروت.




