العميد الركن الدكتور علي عمر

المتقاعدون في لبنان: ثلاثية قاتلة تهدد حقوقهم وأمنهم المالي

المتقاعدون في لبنان: ثلاثية قاتلة تهدد حقوقهم وأمنهم المالي

الثلاثيةالقاتلة

البنك_الدولي ومجلس_الخدمة المدنية

والسلطة

المتقاعدون الضحية والخاسرالأكبر

في خضمّ الانهيار المالي والاقتصادي غير المسبوق الذي يضرب لبنان، تتكشّف تباعًا ملامح مشروع خطير يُراد تمريره بهدوء، عنوانه الظاهر «الإصلاح»، وجوهره الفعلي تصفية ما تبقّى من حقوق الموظفين والمتقاعدين، مدنيين وعسكريين، عبر ثلاثية_قاتلة : السلطة السياسية، البنك الدولي، وقانون التقاعد.لقد أثبتت التجربة، بما لا يقبل الشك، أنّ السلطة الحاكمة في لبنان لم تكن يومًا حاميةً للعدالة الاجتماعية، بل تحوّلت إلى أداة تنفيذ لإملاءات خارجية، تتقدّمها شروط البنك الدولي وصندوق النقد، تحت ذريعة إنقاذ الدولة. غير أنّ هذا «الإنقاذ» لا يصيب سوى الفئات الأضعف، فيما تبقى منظومة الفساد، والهدر، والتهريب، والصفقات، بمنأى كامل عن أي محاسبة حقيقية.قانون التقاعد اليوم في دائرة الاستهداف المباشر.ليس لأنه عبء كما يدّعون، بل لأنه آخر خط دفاع اجتماعي لمئات آلاف العائلات التي أفنت عمرها في خدمة الدولة، على قاعدة العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بالدولة : خدمة مقابل أمان وظيفي ومعيشي في الشيخوخة. هذا العقد يُنقض اليوم بدم بارد.تُعدّ التقارير «السرّية» التي تُطبخ في الغرف المغلقة، وتُعرض فجأة على طاولة مجلس الوزراء، من أخطر ما يُحضّر. فهي لا تنطلق من مقاربة وطنية عادلة، بل من حسابات مالية بحتة، تُقاس بالأرقام لا بالكرامة الإنسانية. المطلوب خفض قيمة المعاشات التقاعدية، تغيير آليات احتسابها، ضرب مبدأ استمراريتها، وربما تحويلها إلى مساعدات مشروطة أو صناديق مُفلسة، في بلد لا يضمن لا عملة ولا استقرارًا.من_يدفع_الثمن؟ليس أصحاب المصارف الذين نهبوا الودائع.ليس كبار المحتكرين والمهربين.ليس المتنفّذون الذين راكموا الثروات من المال العام.بل المتقاعد :– الذي خدم 30 أو 40 سنة.– الذي تقاعد على راتب صار اليوم لا يكفي دواء أسبوع.– الذي يُطلب منه أن «يتحمّل» مجددًا، فيما لم يتحمّل المسؤولون أي مسؤولية.إنها سياسة تحميل الضحية وزر الجريمة.وسياسة تجويع منظّم تحت عنوان «إعادة هيكلة القطاع العام».الأخطر من ذلك، هو محاولة ضرب التضامن بين العاملين والمتقاعدين، والإيحاء بأن المتقاعد عبء على المالية العامة، في حين أنّ الحقيقة الثابتة أن الانهيار سببه سياسات مالية ونقدية كارثية، وفساد مستشرٍ، وغياب كامل للإصلاح الحقيقي.إن المسّ بقانون التقاعد ليس إجراءً تقنيًا، بل قرار سياسي خطير، يهدّد السلم الاجتماعي، ويقوّض الثقة بما تبقّى من الدولة. فالدولة التي لا تحمي شيخوخة مواطنيها، هي دولة فقدت مبرّر وجودها.الخاتمة: نداء_إلى_المتقاعدينأيها المتقاعدون،مدنيين وعسكريين،إن ما يُحضَّر ليس تفصيلًا، ولا إجراءً عابرًا، بل مؤامرة متكاملة الأركان، هدفها تحميلكم كلفة الانهيار الذي لم تصنعوه.اليوم، أكثر من أي وقت مضى، المطلوب رصّ الصفوف، وتوحيد الصوت، وتجاوز الخلافات الشكلية، لأن المعركة وجودية.الصمت لم يعد خيارًا، والانتظار لم يعد مجديًا، والرهان على حسن نية السلطة هو وهم قاتل.وحدها الوحدة، والتنظيم، والضغط السلمي المنظّم، كفيلة بوقف هذا المسار الانتحاري.حقوقكم ليست منّة، ومعاشاتكم ليست صدقة، وقانون التقاعد خط أحمر.التاريخ لا يرحم،ومن يتخلّى اليوم عن المتقاعدين، سيتخلّى غدًا عن كل فئات المجتمع.

طرابلس بتاريخ ١٦-١-٢٠٢٦

العميد الركن الدكتور علي عمر

شارك المقال