صوتنا للمدى

رباب وهبي: وساطة فرنسا ببيروت محاولة لإنقاذ نفوذها

رباب وهبي: وساطة فرنسا ببيروت محاولة لإنقاذ نفوذها

نبذة عن الكاتبة

رباب يوسف وهبي
باحثة وأكاديمية لبنانية، دكتورة في التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية من جامعة بيروت العربية – لبنان.
أستاذة تاريخ في ملاك التعليم الرسمي الثانوي، وكاتبة في الشؤون السياسية والتاريخية وقضايا التحول في الشرق الأوسط.

“وساطة فرنسية تحت الضغط بين لبنان وإسرائيل ومحاولة استعادة النفوذ القديم”
بقلم: الدكتورة رباب يوسف وهبي
​لا يبدو أنّ ما تفعله فرنسا اليوم في منطقتنا هو عودة قوية بقدر ما هو محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من دورها، خاصة بعد الخسارات المتتالية التي منيت بها في أفريقيا وتراجع حضورها في الشرق الأوسط. باريس اليوم تتحرك في كل الاتجاهات فترسل مساعدات، وتكثف جولاتها الدبلوماسية، وتحاول أن تظهر كقوة إنسانية، وكأنها تعوّض عدم قدرتها على فرض حلّ سياسي بوجودها في الميدان وبين الناس. ولعل جولة وزير الخارجية الفرنسي “جان نويل بارو” الأخيرة بين بيروت وإسرائيل كانت خير دليل على ذلك، فنزل إلى الشارع، يسمع وجع النازحين ويتحدث بلغة عاطفية، ثم يتّجه إلى الطرف الآخر ليقترح تهدئة لا يملك في الحقيقة أدوات لفرضها على أحد.
​ويُظهر لنا المشهد بوضوح كيف أن فرنسا تحاول إستعادة صورتها القديمة في لبنان، تلك الصورة التي تربطها بالبلد منذ أيام الانتداب وما تبعها من علاقات ثقافية وتعليمية واجتماعية جعلت “الأم الحنون” حاضرة في كل مفاصل الدولة اللبنانية. ولكن في المقابل تدرك باريس أن العاطفة لم تعد تكفي لتحويل الثقة إلى نفوذ حقيقي، لذا نجدها تخاطب الناس مباشرة في الشارع، لأنها تعرف أن صورتها اهتزت وأن ثقة اللبنانيين بالوسطاء الأجانب صارت ضعيفة جداً.
​لكن خلف هذا التعاطف الإنساني، هناك سياسة واضحة وضغوط تمارس. ففرنسا التي تدعم الجيش اللبناني وتطالب بتطبيق القرار 1701، هي نفسها التي تدفع نحو تسوية تدرجية تبدأ بالتهدئة وتنتهي بتفاهمات سياسية قد يراها البعض في الداخل تنازلاً طالما أنها تتم تحت ضغط القصف والميدان. وهنا تبرز المشكلة، فالتفاوض في لحظة انكسار أو ضعف ميداني يصبح محل شكّ في توقيته وشروطه، بل إن الذهاب إلى التفاوض بحد ذاته يُقرأ لدى شريحة واسعة على أنه شكل من أشكال الاعتراف بإسرائيل دون مقابل واضح، وهو ما يزيد من حساسية أي طرح فرنسي في هذا الاتجاه.
و​في هذا السياق يبرز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يرفض بشكل واضح التفاوض المباشر، ويؤكد أن التفاوض مع إسرائيل مستحيل في ظل الظروف الحالية، وأنه لا تفاوض تحت النار، ولا يمكن القبول إلا بمسار غير مباشر عبر ما يُعرف بلجنة الميكانيزم، وهو ما يعكس الموقف الرسمي اللبناني الذي يحاول الفصل بين وقف إطلاق النار وأي مسار سياسي لاحق.
إنّ ​زيارة الوزير الفرنسي لإسرائيل لم تكن مجرد محطة بروتوكولية، بل كانت جزءاً من محاولة نقل الرسائل. حمل معه هواجس لبنانية برفض التفاوض تحت النار والخوف من الاجتياح البري، وطرح رؤية فرنسية لخفض التصعيد. لكن الواقع يقول إن الاستجابة كانت مجرد استماع، لأن إسرائيل التي تسيطر على الإيقاع العسكري لا تشعر أنها مضطرة لتقديم تنازلات لفرنسا. وهنا يظهر الفرق الشاسع، ففرنسا تتحرك وتتكلم، لكنها في الوقت نفسه لا تملك كلمة السرّ في القرار النهائي.
​كما أنّ الطرح الفرنسي الذي يتم تداوله يدور حول محاولة إطلاق مسار تفاوضي غير مباشر يبدأ بوقف الأعمال القتالية، ثم الانتقال إلى ترتيبات أمنية على الحدود، وصولاً إلى تفاهمات أوسع قد تتطور لاحقاً إلى شكل من أشكال الاعتراف أو التطبيع التدريجي. غير أن هذه الطروحات تصطدم حتى الآن برفض لبناني داخلي، وتردد إقليمي، وعدم حماسة إسرائيلية لأي التزام قبل تثبيت وقائع ميدانية، ممّا يعيد التأكيد أن المبادرة الفرنسية لا تزال تدور في حلقة ضيقة.
إنّ ​هذا الضعف الفرنسي ليس جديداً، فباريس ليست واشنطن، ولا تملك أدوات الضغط المالي والعسكري التي يملكها الأمريكيون، وليست طرفاً إقليمياً مباشراً مثل إيران. لذا تبقى مبادرتها “يتيمة” وبدون غطاء دولي قوي أو شريك لبناني موحد قادر على السير بها. حتى الفرنسيون أنفسهم اعترفوا ضمناً بهذا الأمر حين قالوا إنه لا توجد لديهم خطة مكتملة، ورموا الكرة في ملعب الأطراف المتصارعة.
​ولا يمكن فهم ما يجري في لبنان بمعزل عن المشهد الأوسع، حيث ترتبط الحرب في الجنوب بشكل مباشر أو غير مباشر بمسار المواجهة الكبرى في المنطقة، وتحديداً مع إيران، فلبنان بات جزءاً من شبكة صراع أوسع، تُستخدم فيه الجبهات كورقة ضغط متبادلة، ما يجعل أي تهدئة محلية رهينة تفاهمات إقليمية أكبر، وليس مجرد قرار داخلي أو وساطة فرنسية.
​ولا يمكننا أن نغفل أن لفرنسا مصالح اقتصادية تحركها أيضاً، كملفات الطاقة والغاز في المتوسط إلى حماية خطوط التجارة، وصولاً إلى رغبة شركاتها في أن يكون لها حصة في أي عملية إعادة إعمار مستقبلية. كما أن باريس تخشى أن يؤدي أي انفجار كبير في لبنان إلى موجات نزوح وفوضى تصل شظاياها إلى أوروبا مباشرة، لذا فالتهدئة بالنسبة لها هي مصلحة حيوية قبل أن تكون موقفاً أخلاقياً.
​وإذا كان هذا السلوك يبدو اليوم جديداً في الشرق الأوسط، فإنه في الحقيقة امتداد لنمط فرنسي قديم في إدارة النفوذ، يُرى بوضوح في أفريقيا. فمنذ عهد شارل ديغول، الذي أطلق فكرة “فرانس أفريك” عبر شبكة معقدة من العلاقات السياسية والاقتصادية، عملت باريس على الحفاظ على سيطرتها غير المباشرة على مستعمراتها السابقة حتى بعد انسحابها العسكري. وقد تولى جاك فوكار (المكلّف بصياغة السياسة الفرنسية تجاه أفريقيا بعد الاستقلالات) رسم معالم هذه الشبكة، التي هدفت إلى ضمان تدفق الموارد الطبيعية، من النفط إلى اليورانيوم، وتأمين أسواق دائمة للشركات الفرنسية، والحفاظ على النفوذ السياسي عبر دعم أنظمة موالية.
​هذه الشبكة لم تقتصر على الاقتصاد فقط، بل امتدت إلى التحكم بالعملة عبر نظام الفرنك الأفريقي، وإلى التدخلات الأمنية والعسكرية، وصولاً إلى دعم انقلابات وأنظمة استبدادية حين تقتضي المصلحة. كما ضمنت فرنسا عبرها تدفقات مالية ضخمة، وسعت للحفاظ على موقعها كقوة دولية عبر أصوات الدول الأفريقية في المحافل الدولية. حتى اليوم، تنتشر القوات الفرنسية وتنفذ فرق استخباراتية لحماية هذه المصالح، وتسيطر الشركات الفرنسية على موارد استراتيجية مثل النفط في الغابون وخامات اليورانيوم في النيجر، فيما تستمر باريس بالاستفادة الاقتصادية حتى من العقود الأمنية والطاقة والزراعة والبنية التحتية.
​ورغم إعلان باريس مراراً انتهاء هذه المرحلة، غير أن الوقائع تشير إلى أن الأساليب تغيّرت أكثر مما تغيّرت الأهداف، حيث لا تزال المصالح الاقتصادية هي المحرك الأساسي، سواء في أفريقيا أو في الشرق الأوسط. فكما سعت فرنسا إلى تأمين اليورانيوم من النيجر والنفط من الغابون، تسعى اليوم إلى تثبيت موقعها في معادلات الطاقة شرق المتوسط، وإلى أن تكون جزءاً من أي تسوية أو إعادة إعمار قادمة.
​أما الجدل حول انحياز فرنسا أو وقوفها مع طرف ضد آخر، فهو جزء من تعقيد موقفها. فمن الناحية الواقعية، فرنسا لن تفضّل لبنان على إسرائيل، لأنها جزء من المنظومة الغربية وتتحرك ضمن توازناتها، حتى لو حاولت الظهور كوسيط. وفي هذا السياق، يُستحضر كثيراً اسم الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون وخلفيته المهنية السابقة في بنك روتشيلد، حيث يربط البعض بين هذه الخلفية وبين الموقف الفرنسي من إسرائيل، ويذهب إلى حد اعتبار أن هذه الشبكات كانت وراء تأسيسها.
ورُغم المحاولات الإيجابية من طرف فرنسا إلّا أنه بات واضحاً أن السياسة الفرنسية تُبنى أساساً على مصالح الدولة وحساباتها الاستراتيجية. ففرنسا تحاول أن تكون موجودة في كل مكان، في خيام النازحين، وفي اجتماعات تل أبيب، وفي بيانات التهدئة. لكنها تظل محكومة بسقف لا تستطيع تجاوزه. فهي ليست ضد لبنان، لكنها لا تملك القدرة لتكون معه إلى حد تغيير المعادلة، وليست مع إسرائيل بالمطلق، لكنها لن تواجهها. مما يجعل الدور الفرنسي يتحول من صناعة الحل إلى مجرد إدارة للأزمة ومحاولة لمنع الانفجار الكبير، تماماً كما فعلت سابقاً في ساحات أخرى حين قدّمت المصالح على المبادئ، وبدّلت الأدوات دون أن تغيّر الأهداف.

شارك المقال