د. رباب وهبي تكتب: صراع الهوية في تركيا وآفاق المستقبل
نبذة عن الكاتبة
رباب يوسف وهبي
باحثة وأكاديمية لبنانية، دكتورة في التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية من جامعة بيروت العربية – لبنان.
أستاذة تاريخ في ملاك التعليم الرسمي الثانوي، وكاتبة في الشؤون السياسية والتاريخية وقضايا التحول في الشرق الأوسط.
نبذة عن الكاتبة
بين إرث الجمهورية وتحولات الحاضر… هل تعيش تركيا صراعاً مفتوحاً على هوية الدولة؟
بقلم: الدكتورة رباب يوسف وهبي
تعيش تركيا اليوم حالة من المخاض الفكري والسياسي الذي لا ينقطع، وهو صراع يتجاوز أروقة السياسة ليصل إلى عمق الهوية الثقافية. إنّ هذا الجدال يدور بين قطب ديني طويل صاغ وجدان المجتمع لقرون، وقطب آخر وهو الدولة الحديثة والتي اختارت العلمانية ركيزة دستورية صلبة منذ أكثر من مئة عام. ولفهم ما يجري علينا العودة إلى الوراء، وتحديداً إلى الجذور التي نبتت منها الجمهورية. فقبل القرن العشرين، كانت الأناضول هي قلب الدولة العثمانية، حيث لم يكن الإسلام مجرد طقوس روحية، إنّما كان الناظم للقانون والاجتماع والسياسة. وهذا التداخل جعل من المؤسسة الدينية شريكاً أساسياً في تفاصيل الحياة اليومية، كما كان بمثابة أثر لم يمحُه الزمن بسهولة حتى بعد تغير شكل الدولة.
ومع ولادة الجمهورية التركية عام 1923، قاد مصطفى كمال أتاتورك مشروعاً طموحاً لتحديث المجتمع والأسرة. فكان التحول جذرياً، ففي عام 1928 حُذفت العبارة التي تشير إلى الإسلام كدين للدولة من الدستور، وتم إغلاق التكايا والزوايا الصوفية وفُرض على المرأة السفور، وبمعنى أدق لم يصدر قانون مباشر يفرض السفور على النساء في عموم تركيا، لكن الدولة شجّعت بقوة على السفور في المؤسسات الرسمية، التعليم، والوظائف العامة، وتم تقديم المرأة السافرة كنموذج للحداثة والتقدم، مقابل ربط الحجاب بصورة التقليدية أو الماضي العثماني. بينما كان هناك إجراءات أكثر صرامة في مجالات أخرى. ولكنّ العلمانية هنا، بنص القانون، لم تكن عداءً للدين، بل كانت تنظيماً مؤسساتياً يضع مسافة بين الدولة والمنظومة الدينية، مع ضمان حرية المعتقد والشعائر للأفراد، طالما أنها لا تخل بالنظام العام. إنّ هذا التوازن الدستوري لم يمنع الدين من البقاء حياً في النسيج الاجتماعي، لكنه قيّد استخدامه كأداة سياسية. ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، بدأت الموازين تميل مع صعود حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان. لم يلغِ الحزب العلمانية من الدستور، فهي لا تزال قائمة بنصها، غير أنّ التفسير العملي للعلاقة بين الدولة والدين تغير تدريجياً، ليسمح بحضور ديني أوضح في المجال العام مقارنة بالعهود السابقة التي كانت أكثر تشدداً في الفصل. إنّ هذا التحول ظهر بوضوح في أحداث ملموسة مؤخراً، وتحديداً في رمضان عام 2026. فحينها أعلنت الحكومة عن أنشطة دينية داخل المدارس شملت إفطارات جماعية ودروساً في القيم الدينية. إنّ هذا القرار فجر نقاشاً حاداً ما بين الفريق الحاكم الذي رأى فيه احتراماً لثقافة المجتمع وحريته، وبين التيار العلماني الذي اعتبره تجاوزاً لحياد الدولة الذي يفرضه الدستور. ودافع أردوغان حينها عن هذه الأنشطة، معتبراً أن الهجوم عليها ليس دفاعاً عن العلمانية، بل هو ضغط على هوية المجتمع وقيمه.
ولم يقف السجال عند حدود التصريحات، إنّما انتقل إلى البرلمان في نقاشات حادة حول دستورية هذه القرارات، مما كشف عن انقسام سياسي حقيقي حول شكل مستقبل الدولة. بل وصل الأمر إلى القضاء، حين فُتح تحقيق بحق أكاديميين ومثقفين وقّعوا بياناً يدافع عن العلمانية، مما أظهر أن التوتر قد يتحول من خلاف فكري إلى نزاع قانوني مباشر.
ومن الزاوية الاجتماعية، لا يبدو أن ما يحدث في تركيا هو عودة كاملة للماضي أو رفض مطلق للدين، بل هو بحث مضنٍ عن توازن جديد. ويرى الكثير أن الدين يمكن أن يظل مصدراً للقيم الإنسانية كالتعاون والأخلاق الاجتماعية دون أن يكون عائقاً أمام الحداثة، بشرط أن تحافظ الدولة على حرية الجميع دون إكراه.
إن التجربة التركية تذكرنا بأن العلمانية ليست نفياً للدين، إنّما هي تنظيم يضمن وقوف الدولة على مسافة واحدة من الجميع. فتركيا في نهاية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين ليست استثناءً، وهي تخوض نقاشاً عالمياً حول كيفية العيش المشترك في مجتمعات تريد الحفاظ على هويتها الدينية، وفي الوقت نفسه تتمسك بعلمانية تحمي حرياتها وتطلعاتها نحو المستقبل.
وفي سياق أوسع، يمكن القول إن هذا الصراع ليس وليد اللحظة، بل هو ممتد منذ بدايات مشروع التتريك، حيث ظل الجدل قائماً بين خيارين متقابلين: الدين أو العلمانية. فأتاتورك، رغم أنه لم يُلغِ الدين، إلا أن سياساته حدّت من حضور المتدينين في المجال العام وقيّدت بعض حقوقهم. في المقابل، لم يسعَ أردوغان إلى إلغاء العلمانية، لكنه عمل على إعادة تعريفها عملياً، دون أن يحدّ من مظاهر الانفتاح، وهو ما انعكس في انتقال تركيا من دولة تعاني أزمات داخلية إلى لاعب إقليمي ودولي صاعد في مراحل معينة.
غير أن هذا المسار يواجه اليوم تحديات معقدة، أبرزها ضغط التيارات العلمانية في الداخل، إلى جانب ضغوط دولية تتقاطع أحياناً مع موجات صاعدة من الإسلاموفوبيا. وفي هذا الإطار، يرى بعض المراقبين أن أردوغان قد يكون آخر زعيم ذي توجه ديني يصل إلى السلطة بهذا الشكل، في ظل توازنات داخلية وخارجية قد لا تسمح بتكرار التجربة بسهولة.
ومن هنا، يمكن فهم محاولاته في إعادة إحياء الحضور الديني في المجتمع، سواء عبر تجديد الخطاب الديني أو ترك بصمة طويلة الأمد في بنية الدولة والمجتمع، بما يمنع أي انزلاق حاد نحو نماذج علمانية متطرفة. كما يشمل ذلك الحفاظ على ثوابت اجتماعية مثل عدم الاعتراف بالمثلية والانحلال العلني، فهذه الظواهر موجودة بالفعل، لكنها لا تزال خارج نطاق الاعتراف الدستوري الرسمي. فالصراع في جوهره لم يعد فقط حول الدين أو العلمانية، بل حول شكل المجتمع وحدود الحريات، في ظل تحولات عالمية تمس القيم والهوية، وهوما يجعل التجربة التركية مفتوحة على احتمالات متعددة في المستقبل.





