د. رباب وهبي: 13 نيسان مرآة لخلل بنيوي مستمر
نبذة عن الكاتبة
رباب يوسف وهبي
باحثة وأكاديمية لبنانية، دكتورة في التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية من جامعة بيروت العربية – لبنان.
أستاذة تاريخ في ملاك التعليم الرسمي الثانوي، وكاتبة في الشؤون السياسية والتاريخية وقضايا التحول في الشرق الأوسط.
13″ نيسان … حين يسكن الماضي في تفاصيل الحاضر”
بقلم: د. رباب يوسف وهبي
لا تُقاس الحروب اللبنانية بلحظة صمت المدافع، بل بالآثار التي تركتها في بنية الدولة العميقة وفي وعي المجتمع الذي لم يبرأ تماماً من ندوبها. في ذكرى 13 نيسان، لا نستحضر مجرد تاريخ لبداية صراع أهلي مرير عام 1975، بل نقف أمام مرآة تكشف لنا الخلل البنيوي الذي لا يزال يلاحق التجربة اللبنانية، وكأن الحرب لم تنتهِ إلا لتتحول من شكلها العسكري الفج إلى أزمات سياسية ومؤسساتية مستدامة.
إن قراءة ذلك اليوم تقودنا حتماً إلى فهم مسار طويل من التراكمات التي سبقت الانفجار؛ فمنذ أواخر الستينيات، بدأ التوازن الهش للدولة يترنح تحت وطأة ضغوط داخلية وخارجية متداخلة. فمن جهة، كان النظام القائم على المحاصصة يواجه مأزقاً في التعبير عن الواقع الديموغرافي والسياسي المتغير، ومن جهة أخرى، كان انتقال العمل الفلسطيني المسلح إلى الداخل اللبناني مطلع السبعينيات قد أوجد سلطة موازية أضعفت مفهوم السيادة الوطنية. بين هذا وذاك، نشأت بيئة خصبة للسلاح الحزبي والتنظيمي، فغاب منطق الدولة وحضر منطق “الكانتونات” والولاءات العابرة للحدود، لتكون حادثة عين الرمانة مجرد شرارة أخيرة لاحتقان كان ينتظر لحظة الصدام الكبرى.
ما عاشه لبنان على مدار خمسة عشر عاماً لم يكن مجرد صراع محلي، بل كان ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية جعلت من الهوية الوطنية ضحية أولى لصراع المحاور. لقد أدت تلك السنوات إلى تفكك الروابط الاجتماعية وتحول الانتماء الضيق إلى ملاذ بديل عن المواطنة، وهو تحول عميق لا نزال نلمس تداعياته في نظرة الفرد للدولة بوصفها جهة غير قادرة على توفير الحماية أو العدالة. ومع صدور اتفاق الطائف الذي وضع حداً للقتال، بقيت جذور الأزمة حية تحت الرماد، إذ لم تُحسم مسألة السلاح خارج إطار الشرعية، واستمر ربط المصير اللبناني بتبدلات الموازين الخارجية، مما جعل الاستقرار في لبنان حالة مؤقتة تقوم على تسويات ظرفية لا على بناء مؤسسي صلب.
إن وجه الشبه بين الأمس واليوم يكمن في استمرار غياب الثقة بالمؤسسات وفي الانقسام الحاد الذي يشل قدرة الدولة على احتكار القرار. ورغم أن الذاكرة الجماعية لألم الحرب تشكل اليوم كابحاً نفسياً يمنع الانزلاق إلى مواجهات دامية شاملة، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في “الحرب الباردة” التي تُنتج ظروف الانهيار بشكل تدريجي وممنهج.
ختاماً، إن استذكار 13 نيسان لا ينبغي أن يكون طقساً سنوياً للحزن، بل يجب أن يكون دافعاً لكسر الحلقة المفرغة التي قادت إلى الانفجار. فالمسؤولية الوطنية تقتضي بناء دولة تمتلك وحدها قرار السلم والحرب، وتضمن أن يكون الانتماء إليها هو المرجعية الوحيدة والنهائية لكل مواطنيها. فالحروب لا تبدأ بالرصاصة الأولى، بل حين تضعف الدولة ويصبح العنف خياراً مقبولاً في العقول قبل الشوارع. من هنا، يظل التحدي هو العبور من “الاستقرار الهش” إلى رحاب الدولة القوية، لكي لا تبقى الذكرى احتمالاً قائماً يهدد المستقبل.





