لبنان بين تشابك الجبهات الإقليمية وأزمة السيادة والسلاح
“عندما تشتعل الجبهات الإقليمية… هل يعود لبنان إلى دائرة الانتظار؟”
بقلم: د. رباب يوسف وهبي
لم يكن لبنان يومًا بمنأى عن التحولات الكبرى التي تعصف بالشرق الأوسط، فكلما ارتفعت وتيرة الصراعات في الإقليم، وجد نفسه أمام استحقاقات جديدة تتجاوز حدوده الجغرافية، لتطال توازناته السياسية والأمنية والاقتصادية. واليوم، ومع عودة التوتر إلى الخليج واتساع رقعة الاشتباك الإقليمي، يعود التساؤل حول قدرة لبنان على تفادي تداعيات صراعات المنطقة، أم أنه سيجد نفسه مرة أخرى أسيرًا لموازين القوى الإقليمية.
وفي الواقع أن أي تصعيد واسع في المنطقة لا يقتصر تأثيره على أطرافه المباشرين، بل يمتد إلى الدول التي ترتبط أمنها واستقرارها بتوازنات الإقليم، وفي مقدمتها لبنان. فالتسريبات الإسرائيلية المتزايدة حول احتمالات استئناف العمليات العسكرية، بالتزامن مع التحولات الجارية في الخليج، تعزز المخاوف من أن يصبح الجنوب اللبناني مرة أخرى إحدى ساحات الاشتباك إذا ما انهارت مسارات التهدئة.
وفي هذا المناخ، تكتسب الاجتماعات الدولية المتعلقة بلبنان أهمية مضاعفة، لكنها في الوقت نفسه تبدو محكومة بحدود الواقع الإقليمي. فالمفاوضات التي يفترض أن تبحث آليات تنفيذ التفاهمات الأمنية لا تجري في فراغ، وإنما في ظل تباين واضح بين المقاربة اللبنانية، التي تعطي الأولوية للانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة، وبين المقاربة الإسرائيلية التي تركز على الضمانات الأمنية وترتيبات ما بعد الانسحاب، فيما تحاول الولايات المتحدة إدارة هذا التناقض بما ينسجم مع أولوياتها الاستراتيجية في المنطقة.
وبحسب ما يتم تداوله، يتمسك الجانب اللبناني بضرورة تثبيت جدول زمني واضح لإنهاء الاحتلال، بينما تصر إسرائيل على ربط أي انسحاب بإجراءات أمنية ميدانية واسعة تشمل تعزيز دور الجيش اللبناني ومنع أي نشاط مسلح تعتبره تهديدًا لأمنها. فجوهر الخلاف القائم في رؤية بيروت للسيادة التي تتمثل بإنهاء الاحتلال، فيما تعتبر تل أبيب أن الأمن يجب أن يسبق أي خطوة سياسية.
ويبدو ان تعقيد المشهد لا يقتصر على اختلاف المواقف الرسمية، بل يمتد إلى الحسابات العسكرية للطرفين. ففي إسرائيل، يتزايد الضغط السياسي والشعبي على الحكومة لإعادة المستوطنين إلى شمال البلاد في ظل شعور متنامٍ بأن وقف إطلاق النار لم يحقق الهدف الاستراتيجي المعلن بإزالة التهديد القادم من الجبهة اللبنانية. وفي المقابل، تتحدث تقديرات أمنية إسرائيلية عن أن حزب الله أعاد خلال فترة الهدوء النسبي تنظيم جزء من بنيته العسكرية وترميم قدراته وإعادة تموضع بعض وحداته. ورغم أن هذه التقديرات لا تعني بالضرورة وجود قرار بالحرب، فإنها تعكس قناعة متزايدة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن المواجهة لم تُحسم، وأن احتمالات تجددها لا تزال قائمة إذا تعثرت المسارات السياسية.
وهنا تبرز مشكلة إضافية تتمثل في أن أي تصعيد جديد قد لا يكون نابعًا من قرار لبناني أو إسرائيلي منفرد، بل من تشابك الأزمات الإقليمية نفسها. فكلما اتسعت رقعة المواجهة في الخليج أو البحر الأحمر، تراجعت أولوية الملف اللبناني على الأجندة الدولية، وأصبح جزءًا من شبكة تفاوض أوسع تتداخل فيها حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ودول الخليج. وهذا يعني أن مستقبل الجنوب اللبناني قد يصبح مرتبطًا بنتائج صراعات تدور خارج حدوده، أكثر من ارتباطه بالوقائع الداخلية.
أما ملف سلاح حزب الله، فيبقى العقدة الأكثر تعقيدًا. فهناك رؤية دولية تعتبر أن احتكار الدولة للسلاح شرط أساسي لبناء الاستقرار، في حين ترى قوى لبنانية أن أي نقاش جدي في هذا الملف لا يمكن أن يسبق إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ووقف الاعتداءات المتكررة وضمان احترام السيادة اللبنانية. وبين هذين المنطقين، يبقى الانقسام الداخلي قائمًا، ما يجعل أي تسوية شاملة أكثر صعوبة. فهل من الممكن ان تنجح الدولة اللبنانية في تحويل دورها من منفذ للتفاهمات إلى طرف يفرض أولوياته الوطنية؟ فالسيادة لا تُقاس فقط بتنفيذ الاتفاقات، بل أيضًا بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، ومتابعة ملفات الأسرى والمفقودين، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية، وتأمين عودة السكان إلى قراهم، وإطلاق ورشة إعادة إعمار حقيقية لا تبقى رهينة التجاذبات السياسية أو المساعدات الخارجية.
وفي هذا السياق، لا تبدو الأزمة اللبنانية مجرد أزمة حدود أو سلاح، بل أزمة دولة لم تستطع حتى الآن إنتاج رؤية وطنية موحدة للأمن والسيادة والاهم من كل ذلك لم شمل اللبنانيين تحت غطائها. فطالما بقيت هذه المفاهيم موضع انقسام داخلي، سيظل لبنان أكثر عرضة لتلقي ارتدادات الصراعات الإقليمية بدل أن يكون قادرًا على تحصين نفسه منها.
فالخطر الحقيقي ليس في احتمال اندلاع حرب جديدة فحسب، بل في استمرار بقاء لبنان رهينة موازين القوى الخارجية. فكلما اشتعلت الجبهات الإقليمية، تراجعت الأولويات اللبنانية، وتأجلت مشاريع الإصلاح وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات وبالتالي، تراجعت فرص الدولة اللبنانية في استعادة قرارها الوطني، فالدول التي تعجز عن إدارة أزماتها بنفسها غالبًا ما تجد نفسها تدفع ثمن صراعات الآخرين، مهما حاولت النأي بنفسها عنها..





