الإمام الصدر: الدبلوماسية وحدها وهم.. والمقاومة طريق التحرير

الإمام الصدر: الدبلوماسية وحدها وهم.. والمقاومة طريق التحرير

جدلية الدبلوماسية والمقاومة في فكر الإمام

🗞️ محمد شقير – الأخبار

جدير التوقّف عند تعبير الإمام السيد موسى الصدر عن «الأوهام» و«الحجج الواهية»، في وصفه مرتكز الفعل الدبلوماسي للسلطة اللبنانية، غداة الاعتداء الإسرائيلي على بلدة كفرشوبا عام 1975، منتقداً طريقة تعاطي السلطة مع العدوان والتهديد الإسرائيليَّيْن للبنان والمنطقة. قال يومها: «عام 1948، كان يجب أن نشعر أننا أمام دولة عدوانية، طامعة في أرضنا، وفي مياهنا، وفي تراثنا، وفي تاريخنا، فسكتنا وسكتنا، وتركنا الأمر يُتدبّر في الأوساط الدولية، واعتمدنا على الأوهام، وعلى الحجج الواهية».
وما يهمّ في هذا النص تحديداً هو عبارته الأخيرة، التي تفيد بترك الأمر يُتدبّر في الأوساط الدولية، اعتماداً عليها، وثقة بها، أي كنّا نعوّل فقط على الخيار الدبلوماسي في مواجهة الأخطار والتهديد الإسرائيلي، لتكون النتيجة أن ما كان يُعوَّل عليه، لم يكن إلا وهماً بوهم، وحججاً واهية، لا تصمد أمام العقلانية، والرشد السياسي، وحقائق التاريخ والواقع.
وإذا كان في هذا الكلام من دلالة، فهي أن الجدل حول كيفية التعامل مع التهديد الإسرائيلي ومخاطره ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى البدايات الأولى لنشوء الكيان، ويتمحور حول نهجين: أولهما يرى أن المواجهة ينبغي أن تقوم على الدبلوماسية وحدها، منزوعة من أي أوراق قوة عسكرية أو أمنية أو غيرها؛ وثانيهما يرى أن الدبلوماسية لا تكون فاعلة إلا عندما تستند إلى مجمل عناصر القوة، بما فيها القوة العسكرية والأمنية.
ولأن الإمام الصدر مرجعية وطنية تحظى بمكانة متوافق عليها، ولأن رؤيته الوطنية تستند إلى مبادئ لا تزال حاضرة في النقاش اللبناني، فإن العودة إلى آرائه ومواقفه تصبح أكثر أهمية في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها الوطن. ومن هنا، تبدو مراجعة موقفه من جدلية المقاومة والدبلوماسية أمراً ضرورياً.
ومن خلال مراجعة الوثائق ذات الصلة، يمكن ملاحظة أمرين أساسيين: الأول، وضوح رؤية الإمام الصدر في جدلية المقاومة والدبلوماسية؛ والثاني، تكراره هذا الموقف والتشديد عليه في مناسبات وحوارات متعدّدة. وفي هذا السياق، يلفت الإمام الصدر إلى تجربة الفلسطينيين، الذين «انتقلوا… إلى مناشدة العرب والعالم، كي ينتصر لهم في مأساتهم، وكما نعرف جميعاً، فلا التحليل نفع، ولا المناشدة».
وفي موضع آخر، ينتقد الرهان على التعاطف الدولي في حماية لبنان، فيقول: «لقد تصوّر الكثيرون أن الحرص على لبنان، كحملٍ ضعيف، سيثير روح الإشفاق لدى الذئب، وأنه يكفي دفاعاً عن لبنان أن يبقى في الضمير، وها هي الاعتداءات الإسرائيلية تتكرر يوماً وراء يوم؛ لم يشفق الذئب على الحمل، ولم يوقف الضميرُ العدوانَ شبه اليومي على مناطق الجنوب».
ويعود إلى التجربة الفلسطينية ليحذّر من تكرارها في لبنان: «ناشدوا كثيراً… ومَرّت سنوات وسنوات، حتى تأكدوا أن العالم قد نسيهم، فالعالم عالم السباع، عالم الذئاب، وليس عالم النبلاء الذي يساعد الحق، ويقف إلى جانب الحق». ثم يحذّر من أن يتحوّل لبنان إلى نسخة من هذه التجربة، قائلاً: «ننـزح من قرية إلى قرية، مستسلمين لعدوّنا، وننتظر سنوات وسنوات، نناشد وننتظر، ونسأل ونطلب…»، مشدّداً على أن «الطريق يجب أن يبدأ… بحمل السلاح، بالتصدّي للعدو، بالدفاع، بالموت في سبيل الأرض والوطن، لا بالشعارات، والمناشدات، والأحاديث…».
وعن الفلسطينيين، يقول الإمام الصدر: «علّمتمونا أن المناشدات لا تنفع، وأن الأحاديث… لا تحفظ أرضنا، ولا تحفظ كرامتنا، ولا تصون بلادنا؛ شيء واحد يجب أن يُضاف إلى التفكير والمناشدة… إنه السلاح، والرصاص، والبندقية، والشهادة، والفداء». وشدّد على أن «السلوك التقليدي (مناشدات، دبلوماسية الاستجداء…) باتجاه التحرير، لا يدعو إلى التفاؤل، وكنا منذ عام 1948، بل قبله، نسلك ذلك الطريق، وقد فشل… ومع ظهور المقاومة برزت عناصر جديدة، تجعل المعادلة لمصلحة العرب…».
ومن هذا المنطلق، يُجري الإمام الصدر مطابقة واضحة بين التجربة الفلسطينية والتجربة اللبنانية: «بدأت المناشدات، والاتصالات، والدعوات لمؤتمر القمة وغير القمة، ولا أعتقد أن النتيجة ستكون أفضل من النتيجة التي حصل عليها الفلسطينيون، قبل أن يحملوا السلاح (…) الحلّ الوحيد هو في حمل السلاح».
لكن، هل يعني ما تقدّم أن الإمام الصدر كان يرفض خيار الدبلوماسية مطلقاً؟ الجواب بالنفي. فالإمام ميّز، في الواقع، بين نهجين مختلفين في العمل الدبلوماسي.
الأول هو دبلوماسية الاستجداء والضعفاء، التي تفتقد إلى أي من عناصر القوة الذاتية، ولا تعمل على بناء مقوّمات قوة كافية لردع العدوان أو حماية المصالح الوطنية. وهذا تحديداً هو النهج الذي انتقده الإمام الصدر وحذّر من الركون إليه.
الثاني، هو نهج الدبلوماسية التي لا تفرّط في أي من عوامل القوة التي يملكها الوطن، بل تعمل على استثمارها وتوظيفها، للوصول إلى أهدافها في تحقيق المصالح الوطنية كافة.

وهذا النهج في الدبلوماسية هو الذي يراه الإمام الصدر الأجدى، أي الدبلوماسية التي تتكامل مع فعل المقاومة، وتبني عليها، لا تلك التي تتآمر على المقاومة، وتعمل على تقديم التنازل تلو الآخر، استجابة لعدو، أو فعل وصاية.
ويعبّر الإمام الصدر عن هذا الترابط بوضوح حين يقول: «إن قضية الدفاع عن النفس وعن الكرامة هي قضية وجود الإنسان… لا يمكن لأحد أن يلوم لبنان حكومة أو شعباً، إذا دافع عن نفسه، وفي أرضه… وبعد ذلك، فإن التدابير السياسية، والدبلوماسية، والإعلامية، وتجنيد الطاقات اللبنانية الكبيرة؛ كفيلة بالتخفيف من سلبيات هذا الدفاع، الذي لا بدّ منه».

كاتب لبناني

شارك المقال