المجمع الانتخابي.. فكرة عالمية بخصوصية فلسطينية جامعة
المجمع الانتخابي… فكرة عالمية بخصوصية فلسطينية
أحمد حسن الأعرج كاتب وإعلامي
حين يسمع البعض مصطلح “المجمع الانتخابي”، قد يظن أنه فكرة فلسطينية مستحدثة، أو آلية جرى ابتكارها خصيصًا لتجديد المجلس الوطني الفلسطيني. لكن الحقيقة أن الانتخاب غير المباشر عبر مجامع انتخابية معروف في تجارب سياسية ودستورية متعددة حول العالم، وإن اختلفت أشكاله ووظائفه من دولة إلى أخرى.
ففي الولايات المتحدة، ينتخب المواطنون الرئيس عبر نظام المجمع الانتخابي، وفي الهند يُنتخب رئيس الجمهورية من خلال مجمع انتخابي يضم ممثلين منتخبين عن البرلمان والمجالس التشريعية للولايات، بينما تعرف ألمانيا نموذجًا للانتخاب غير المباشر لرئيس الجمهورية عبر هيئة اتحادية خاصة. وهذه التجارب، رغم اختلافها، تؤكد أن الديمقراطية ليست قالبًا واحدًا، وأن آليات التمثيل والانتخاب يمكن أن تتنوع وفق طبيعة النظام السياسي وظروف المجتمع.
ومن هنا تأتي أهمية فهم فكرة المجمع الانتخابي في سياقها الصحيح؛ فهي ليست اختراعًا فلسطينيًا، وإنما إحدى الصيغ المعروفة للتمثيل والانتخاب، ويمكن الاستفادة من تجاربها بما يتناسب مع خصوصية الحالة الفلسطينية.
فالخصوصية الفلسطينية مختلفة عن معظم التجارب السياسية التقليدية. نحن أمام شعب واحد موزع بين الوطن والقدس وغزة والضفة الغربية، ومخيمات اللجوء وبلدان الشتات، في ظل ظروف سياسية وقانونية وجغرافية تجعل إجراء انتخابات مباشرة وشاملة في جميع أماكن وجود الفلسطينيين في وقت واحد أمرًا بالغ التعقيد.
ومن هنا يمكن أن تبرز فكرة المجمع الانتخابي كإحدى الآليات التي تساعد على توسيع دائرة المشاركة الوطنية، بحيث لا تمنع الظروف الخاصة في أي ساحة فلسطينية أبناءها من ممارسة دورهم في اختيار ممثليهم والمساهمة في تشكيل مؤسساتهم الوطنية.
والأهم في هذه الفكرة هو أن تكون آلية تشكيل المجمع واضحة وشفافة، وأن يراعي تمثيل مختلف التجمعات الفلسطينية، بما ينسجم مع الواقع الجغرافي والاجتماعي والسياسي للشعب الفلسطيني. فكلما اتسعت قاعدة التمثيل، ازدادت قدرة المؤسسة الوطنية على التعبير عن مختلف مكونات شعبنا.
وفي هذا السياق، يكتسب المجلس الوطني الفلسطيني أهمية خاصة، باعتباره الإطار الذي يجمع مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، في الوطن والشتات. ولذلك فإن تطوير آليات المشاركة في انتخاب أعضائه أو تجديد تمثيله يجب أن ينطلق من هدف أساسي، هو الحفاظ على حضور الفلسطينيين جميعًا في مؤسساتهم الوطنية، وعدم ترك أي تجمع فلسطيني خارج المشهد الوطني بسبب ظروف استثنائية خارجة عن إرادته.
وهنا تبرز أهمية الشتات الفلسطيني بصورة خاصة. فالفلسطيني في المخيم والمهجر ليس بعيدًا عن فلسطين، ولا منفصلًا عن القرار الوطني؛ فهو جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، يحمل ذاكرته وهويته ويحافظ على ارتباطه بقضيته وحقه الوطني. ولذلك فإن توفير صيغة تمكنه من المشاركة السياسية ليس مجرد إجراء انتخابي، بل تعبير عن وحدة الشعب الفلسطيني أينما توزع.
كما أن المجمع الانتخابي، إذا جرى تصميمه وفق قواعد واضحة وضمانات عادلة، يمكن أن يكون مساحة تجمع بين متطلبات الواقع ومبدأ المشاركة، بحيث تتعدد الوسائل بحسب الظروف، من دون أن تتعدد الغاية. فالهدف في النهاية هو الوصول إلى تمثيل وطني أوسع، ومؤسسات أكثر قدرة على جمع الفلسطينيين حول إطارهم الوطني الجامع.
ولذلك، فإن النقاش حول “المجمع الانتخابي” ينبغي ألا يتوقف عند الاسم أو الشكل، بل أن يتجه إلى مضمونه ودوره في تطوير الحياة الوطنية الفلسطينية. كيف يمكن أن نوسع المشاركة؟ كيف نضمن حضور مختلف الساحات الفلسطينية؟ وكيف نمنح الفلسطيني، أينما كان، فرصة للمساهمة في صناعة مؤسساته الوطنية؟
هذه الأسئلة تفتح الباب أمام نقاش وطني مسؤول حول تطوير أدوات المشاركة بما يتناسب مع واقعنا، والاستفادة من التجارب العالمية دون نسخها، لأن فلسطين لها خصوصيتها، وشعبها له ظروفه وتجاربه ومساره التاريخي.
فالديمقراطية في جوهرها ليست شكلًا واحدًا، بل مشاركة وتمثيل وإرادة شعبية، والآليات يمكن أن تتطور بما يخدم هذه المبادئ. وفي الحالة الفلسطينية، تبقى الغاية الأسمى هي أن تتسع مؤسساتنا الوطنية لكل أبناء شعبنا، وأن يبقى الفلسطيني، في الوطن والشتات، حاضرًا في صناعة مستقبله وقراره الوطني.
فالمجمع الانتخابي ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة يمكن أن تفتح طريقًا أوسع للمشاركة، وتمنح مختلف الساحات الفلسطينية فرصة للحضور، وتؤكد أن شعبًا توزّع جغرافيًا لا ينبغي أن يتوزع وطنيًا؛ ففلسطين واحدة، وشعبها واحد، وحقه في المشاركة وصناعة قراره الوطني حق لا تحدّه الجغرافيا
مجلة الشراع الالكترونية





