د. رباب وهبي: الساحل اليمني مركز ثقل بالتوازن الدولي
“خنق الملاحة والسيطرة على السواحل… كيف تحوّل الشريط البحري اليمني إلى مركز ثقل للتوازنات الدولية؟”
بقلم: د. رباب يوسف وهبي
لم تكن سواحل اليمن الغربية يوماً مجرد خطوط تماس عسكرية في صراع أهلي على السلطة، بل كانت دائماً جمرة تحت رماد التوازنات الشرق أوسطية. ومع تمدد النفوذ العسكري لجماعة أنصار الله نحو الساحل الغربي والسيطرة على مواقع ومقتربات استراتيجية من مضيق باب المندب، قبل أن تعلن القوات الحكومية اليمنية أخيراً استعادة مواقع استراتيجية في المنطقة والتقدم باتجاه المخا، انكسرت القواعد التقليدية للنزاع المحلي. فلم يعد التمدد الحوثي على الساحل مجرد تطور ميداني داخل الحرب اليمنية، بل بات مرتبطاً مباشرة بأمن الملاحة الدولية وحركة التجارة والطاقة، وبقدرة القوى الإقليمية والدولية على حماية أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومنه عبر قناة السويس إلى الأسواق الأوروبية والعالمية.
فباب المندب منفذ حرج للتجارة والطاقة، إذ تمر عبره نسبة مهمة من حركة النفط والغاز المنقولين بحراً، وبالتالي فإن أي تهديد أو اضطراب في هذه المنطقة لا يغير فقط الإحداثيات العسكرية، بل يخلق صدمة ارتدادية فورية في الاقتصاد العالمي، حيث ارتفعت تكاليف التأمين على السفن التجارية، واضطرت كبرى شركات الشحن لإعادة توجيه أساطيلها حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما يضيف نحو 10 إلى 15 يوماً لإبحار الرحلة بين آسيا وأوروبا ويرفع استهلاك الوقود بدرجة كبيرة. كما انعكست زيادة تكاليف الشحن والتأمين مباشرة على سلاسل الإمداد وأسعار بعض السلع، متسببة في ضغوط تضخمية إضافية لاقتصادات الموانئ الأوروبية والمتوسطية.
وتزداد الصورة تعقيداً عند ربط الساحل اليمني بالإستراتيجية البحرية الإيرانية. كما تدرك طهران أن مضيق هرمز رغم أهميته الفائقة لصادرات النفط الخليجي يشكل منطقة احتكاك مباشر وقريبة جداً من القواعد الأمريكية في الخليج العربي. من هنا، جاء الحضور في باب المندب عبر حليف محلي ليوفر ورقة ضغط استراتيجية إضافية تتيح التأثير في أحد أهم ممرات تصدير الطاقة من جهة، والضغط على مسار الترانزيت والتجارة الممتدة إلى أوروبا وإسرائيل من جهة أخرى. إن هذا الربط يمنح المعسكر الإقليمي المتحالف مع إيران قدرة على فرض ردع مركب، حيث يمكن نقل التوتر من الخليج إلى البحر الأحمر ودون الحاجة لتورط عسكري مباشر من الدولة المركزية، مما يوسع مساحة المناورة في المفاوضات الإقليمية والدولية.
وقد أظهرت المواجهات الأخيرة التي تلت حرب غزة أن المسرح البحري للبحر الأحمر أصبح منصة إطلاق لرسائل سياسية وعسكرية تتجاوز الشأن اليمني تماماً. إذ تحول استهداف السفن التجارية المارّة إلى أداة لفرض معادلات جديدة في مواجهة إسرائيل وحلفائها الغربيين. إنّ هذا التحول نقل البحر الأحمر من صفة الممر الملاحي المحايد إلى ميدان اشتباك متعدد الأطراف، تتقاطع فيه الطائرات المسيرة والصواريخ المضادة للسفن والزوارق المسيّرة أو المحمّلة بالمتفجرات مع التحالفات البحرية الدولية كتحالف حارس الازدهار والبعثات الأوروبية.
وعلى الصعيد الداخلي، يكشف التطور في باب المندب عن خلل هيكلي عميق في مفهوم الدولة اليمنية، إذ إن سيطرة فاعل من غير الدول على أجزاء من الساحل والموانئ والمواقع العسكرية المطلة على ممر بحري دولي يعني عملياً إضعاف قدرة الدولة على ممارسة سيادتها الأمنية والاقتصادية على المجال البحري. وفي المقابل، يعاني المعسكر المناهض للحوثيين من أزمة تتجاوز القدرة التسليحية، تتجسد في تعدد مراكز القرار ووجود تشكيلات عسكرية متعددة الولاءات والقيادات على طول الساحل الغربي، إضافة إلى تباين الأولويات وغياب المشروع السياسي الموحد بين الحكومة المعترف بها دولياً والقوى الميدانية الفاعلة، فضلاً عن التعامل مع الساحل كمواقع دفاعية مجتزأة بدلاً من التعامل معه كمنظومة أمن قومي وسيادة بحرية متكاملة.
إن الصراع على امتداد الشريط الساحلي اليمني وصولاً إلى المخا وباب المندب لم يعد مجرد مواجهة على مواقع ميدانية أو خطوط إمداد عسكرية، بل هو صراع على جوهر السيادة الوطنية في عصر شبكات التأثير الإقليمية. إذا لم تستطع الدولة اليمنية إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والبحرية بشكل موحد يضمن احتكار السلاح والسيطرة على المنافذ المائية، فإن باب المندب سيظل ساحة قابلة لتوظيفها في صراعات إقليمية ودولية بالوكالة، وسيبقى اليمن مجرد ساحة مستغلة في صراع النفوذ الدولي، بدلاً من أن يكون شريكاً في حماية أمن الملاحة واقتصادات المنطقة.





