رابطة الميثاق الإسلامي تدعو لوحدة الأمة ونبذ الفرقة

رابطة الميثاق الإسلامي تدعو لوحدة الأمة ونبذ الفرقة

أمة واحدة، وإن تعددت بلادنا ومذاهبنا..

قد تختلف بلادنا، وتتباعد المسافات بين أوطاننا، وتتنوّع لغاتنا ولهجاتنا وألواننا وأعراقنا، لكننا، نحن المسلمين، إخوة تجمعنا عقيدة واحدة، وكتاب واحد، وقبلة واحدة، ورسول كريم، وأواصر إيمان تتجاوز الحدود والجغرافيا والانتماءات الضيقة.

من فلسطين إلى لبنان، ومن سوريا إلى العراق، ومن مصر إلى الجزائر، ومن ليبيا إلى تونس والمغرب وموريتانيا، ومن اليمن إلى السودان والصومال، ومن دول الخليج إلى الصحراء الغربية، ومن سائر أقطار الوطن العربي إلى تركيا وإيران وباكستان وأفغانستان وإندونيسيا وبلاد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ نحن إخوة في الإسلام، وإن اختلفت أوطاننا، وتعددت مشاربنا ومذاهبنا، وتنوعت مدارسنا الفكرية والاجتهادية.

فالمسلم في اليمن ليس غريباً عن أخيه في فلسطين، والمسلم في الشام ليس أجنبياً عن أخيه في المغرب، والمسلم في لبنان ليس أقرب إلى أخيه في ميزان الأخوة الإيمانية من أخيه في السودان أو باكستان لمجرد تقارب الحدود أو تشابه اللهجات، فالأخوة في الإسلام لا تقاس بالمسافات، ولا تحددها الخرائط، ولا تلغيها الاختلافات.

ومن المؤسف أن نرى كيف تسللت الحدود السياسية من خرائط البلدان إلى عقول بعض أبناء الأمة وقلوبهم، حتى بات بعضهم ينظر إلى أخيه المسلم في بلد آخر وكأنه ينتمي إلى أمة مختلفة، لا تربطه به إلا مشاعر التعاطف عن بعد، لقد اعتدنا الفرقة حتى غدت الوحدة عند بعضنا فكرة مستغربة، واعتدنا الحواجز حتى كدنا ننسى أن اختلاف الأوطان لا يسقط وحدة الانتماء إلى الإسلام.

والأخطر من ذلك أن يتحول واقع التجزئة من واقع نعيشه إلى فكرة ندافع عنها، وأن تصبح الدعوة إلى وحدة المسلمين واجتماع كلمتهم أمراً مستغرباً، بدل أن تكون هدفاً مشروعاً نسعى إليه بالحكمة والعلم والعمل والتعاون.

فمن الذي أقنعنا أن التقارب والتكامل واجتماع المسلمين على مصالحهم المشتركة أمر مستحيل، مع أن ديننا يدعونا إلى الاعتصام ونبذ التفرق؟ ألم يقل الله تعالى: “إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا بكم فاعبدون”؟ وقال سبحانه: “واعتصموا بحبل الله جمِيعاً ولا تفرقوا”.
إن الإسلام لم يجعل اختلاف الألسنة والأعراق والمناطق سبباً للتنازع، ولم يجعل الانتماء إلى قومية أو بلد مبرراً للتعصب على سائر المسلمين؛ بل أرسى أخوة إيمانية تحفظ الكرامة، وتدعو إلى العدل والتراحم والتعاون على الخير.

فالعربي والكردي والتركي والفارسي والأمازيغي، وسائر الشعوب المسلمة، يجمعهم أصل الأخوة الإسلامية، ولا ينتقص من ذلك اختلاف اللغة أو العادات أو المذاهب والاجتهادات.

وقد شهد تاريخ المسلمين مراحل من الوحدة السياسية والحضارية، كما شهد مراحل من التفرق والنزاع؛ ولذلك فإن استعادة روح الوحدة ليست مجرد استحضار للماضي، بل مسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل، تبدأ بإصلاح النفوس، وترسيخ الثقة، واحترام التنوع، وإطفاء الفتن، وحماية الدماء، وتعزيز التعاون العلمي والثقافي والاقتصادي والإنساني بين الشعوب والدول.

إن وحدة الأمة لا تعني إلغاء خصوصيات الشعوب، ولا مصادرة حقها في إدارة شؤونها، ولا فرض رأي أو مذهب على الآخرين؛ بل تعني أن نجعل من المشتركات الإيمانية والإنسانية أساساً للتقارب والتكامل، وأن نعمل من أجل موقفٍ يجمعنا في مواجهة الظلم والعدوان، ويحفظ مصالح شعوبنا، ويصون كرامة الإنسان، ويعزز استقلال القرار، ويمنع تحويل اختلافاتنا إلى أبواب للاقتتال والتدخل والهيمنة.

ومن هنا، فإن الحديث عن وحدة الأمة ينبغي ألا يبقى محصوراً في كلمات المحبة والتآخي، على أهميتها، بل يجب أن يتحول اهل إلى برامج ومبادرات ومؤسسات حوار وتعاون، وإلى جهودٍ صادقة في الإصلاح والإنماء والمصالحة، وبناء جسور التواصل بين العلماء والمشايخ والمفكرين والشباب ومختلف مكونات مجتمعاتنا.

فلا تسمحوا لواقع الفرقة أن يغير مفهومكم عن الأمة، ولا تجعلوا ما اعتدناه من حدودٍ وحواجز مقياساً لما ينبغي أن تكون عليه علاقاتنا.

فليس كل واقع دائم واقعاً لا يتغير، وليس كل خلافٍ سبباً للقطيعة، وليس كل اختلافٍ في الرأي أو المذهب مبرراً للعداوة.

لقد جمعتنا عقيدة الإسلام، وتاريخ طويل من التفاعل الحضاري، وآمال مشتركة في الأمن والكرامة والعدل.

وما زال واجبنا أن نعمل حتى تصبح أخوتنا واقعاً ملموساً في حياتنا، لا مجرد ذكرى في كتب التاريخ، ولا شعاراً نردده في الخطب والمناسبات.

فلا تجعلوا حدود الخرائط أقوى في قلوبكم من أخوة القرآن، ولا تجعلوا اختلاف المذاهب والمشارب أوسع من رحمة الإسلام، ولا تسمحوا للخلافات السياسية أن تحول الأخ إلى عدو.

نحن المسلمون، على اختلاف بلداننا وألسنتنا ومذاهبنا، إخوة في الدين، شركاء في المسؤولية، وأصحاب مصلحةٍ في الأمن والاستقرار والعدل وما أحوجنا اليوم إلى كلمةٍ تجمع ولا تفرق، وإلى موقفٍ يحقن الدماء ولا يستبيحها، وإلى وعي يجعل من اختلافنا باباً للتعارف والتكامل، لا ذريعة للتناحر والاقتتال.

إن وحدة الأمة ليست إنكاراً لواقع التنوع، بل ارتقاءٌ به نحو التعاون والتكامل؛ وليست شعاراً للماضي، بل مشروع عمل للمستقبل.

والله تعالى يقول: “إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم”.

رابطة الميثاق الإسلامي في لبنان

شارك المقال