الواجهة البحرية إلى الواجهة مجددًا

الواجهة البحرية إلى الواجهة مجددًا: بين التخطيط الغائب والارتجال الحاضر

بقلم: ناريمان الشمعة

في مشهد يعكس هشاشة التخطيط الحضري، صوّت مجلس بلدية الميناء قبل أيام على قرار يقضي برفع عامل الاستثمار على الواجهة البحرية، متجاهلاً الأطر القانونية والتخطيطية لقرار مماثل، ودون الرجوع إلى دائرة الهندسة في البلدية. القرار الذي أُقرّ على عجل، عاد المجلس أمس ليناقشه مجدداً، ما أدى إلى فضّ الاجتماع وانقسام الأعضاء بين مؤيد ومعارض، وسط غياب أي دراسة جدوى، تقييم بيئي، أو رؤية تنموية شاملة للمدينة.

القرار في سياق سابق مثير للجدل
اللافت أن هذا القرار لا يأتي بمعزل عن محاولات سابقة لتعديل المخطط التوجيهي للواجهة البحرية. ففي عام 2017، تقدّمت بلدية الميناء بطلب رسمي إلى مديرية التنظيم المدني، مدعومًا بقرار من اتحاد بلديات الفيحاء، يرمي إلى إعادة دراسة المخطط التوجيهي لمنطقتي بساتين طرابلس والميناء. وقد تضمّن الطلب مقترحًا يسمح بمضاعفة عامل الاستثمار في الصف الأول المواجه للبحر ليصل إلى 2.4، مع السماح بإنشاء أبراج دون سقف ارتفاع. كما اقترح مضاعفة عامل الاستثمار للصفين الثاني والثالث لتصبح على التوالي عشرة طوابق بارتفاع 30 مترًا، وستة طوابق بارتفاع 18 مترًا.
هذا المقترح، الذي أشرت إليه سابقًا في مقالي على موقع جريدة “الأخبار”، أثار حينها جدلًا واسعًا حول نوايا الاستثمار العقاري على حساب الحق العام، خصوصًا في ظل غياب دراسة بيئية أو تخطيطية متكاملة. وقد رُدّ الطلب حينها من مديرية التنظيم المدني، ما يعكس وجود تحفظات رسمية على هذا النوع من التوسع العمراني غير المنضبط.

دراسات تنموية أُهملت
القرار الأخير برفع عامل الاستثمار لا يكتفي بتجاهل الأطر القانونية والهندسية، بل يتغاضى عن سلسلة من الدراسات التنموية التي وضعت رؤية متكاملة لكورنيش الميناء. دراسة Pacem عام 2010، التي أُنجزت بالتعاون مع جامعة تولوز وبلدية مارسيليا، ثم تحديثها بدراسة UNDP عام 2017، ركزت على حماية الأملاك العامة، تعزيز المساحات الخضراء، والتي دعت إلى إنشاء مرافق عامة مثل أكواريوم، مسابح شعبية، ونوادٍ رياضية بحرية وتنظيم المرافق والخدمات من دون المساس بالواجهة البحرية. هذه الدراسات لم يكلف نفسه المجلس البلدي عناء الاطلاع عليها، ومراجعة ما تم تنفيذه أو ما يمكن العمل عليه وتطويره، رغم أنها تشكّل مرجعية تخطيطية واضحة. تجاهلها يعكس نمطًا من العمل الارتجالي، يفتقر إلى الحد الأدنى من العمل المنهجي والاحترام للتراكم المعرفي والتخطيطي.

أطماع عقارية تطل برأسها
لطالما شكّل كورنيش الميناء مطمعًا لحيتان المال الساعين لتحويل الواجهة البحرية إلى مساحة عقارية إسمنتية تعزل المدينة عن بحرها، وتُقصي سكانها، وتُضعف الحق العام. قرار رفع عامل الاستثمار يعيد إحياء هذه الأطماع، ويمنح غطاءً قانونيًا لمشاريع قد تُحوّل الشاطئ إلى أبراج لا تخدم سوى المستثمرين.
بدلًا من تنفيذ رؤية تنموية متكاملة تستند إلى حاجات السكان ومصلحة المدينة، نجد أنفسنا أمام محاولة لإعادة رسم وجه الميناء وفق منطق الربح العقاري، لا وفق العدالة الحضرية أو التخطيط المستدام.

مساوئ رفع عامل الاستثمار على الواجهة البحرية
رفع عامل الاستثمار في منطقة حساسة كالكورنيش البحري يحمل تبعات خطيرة:

  • فصل المدينة عن بحرها
  • تشويه المشهد العمراني عبر أبراج غير منسجمة مع الطابع التاريخي للمدينة.
  • ضغط على البنية التحتية من مياه وصرف صحي وكهرباء، دون خطة متكاملة.
  • تهجير سكان الميناء نتيجة ارتفاع أسعار العقارات.
    هذا بالإضافة إلى أنه يفتح الباب على مصراعيه للتعد على الأملاك البحرية العامة، ويضعف الحق العام في الوصول إلى البحر، وتحويل الكورنيش إلى مساحة نخبوية. دعوة للمساءلة والمشاركة
    ما حدث في المجلس البلدي ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل مؤشر على غياب العمل المنهجي والتخطيط التشاركي، والدراسات السابقة التي وضعت مصلحة المدينة فوق المصالح العقارية. المطلوب اليوم ليس فقط التراجع عن القرار، بل فتح نقاش عام حول مستقبل الميناء عامة والواجهة البحرية على وجه الخصوص، وإشراك المجتمع المحلي، والمهندسين المتخصصين، ومديرية التنظيم المدني في رسم رؤية عادلة ومستدامة.

من أجل أن تبقى الميناء للجميع
إن ما يجري اليوم ليس مجرد سوء تقدير هندسي، بل محاولة لتغيير وجه المدينة من دون الرجوع إلى أهلها. رفع عامل الاستثمار على الواجهة البحرية ليس قرارًا تقنيًا، بل خيار سياسي واجتماعي يمسّ الحق العام، ويعيد إنتاج منطق الإقصاء العمراني والطبقي. وإذا لم تتحرك القوى المدنية، والمهندسون، والصيادون، وسكان الميناء، فإن الشاطئ الذي كان متنفسًا للجميع قد يتحول إلى جدار إسمنتي يفصل المدينة عن بحرها.

شارك المقال

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *