ليس لنا: نص أدبي عن الطفولة والعيد والاختلاف الإنساني
الكاتبة فاطمة بدور
هناك براعم تفتحت حملت في داخلها الذكاء والأبداع والحلم الوردي والشغف نحو الدخول لعالم الكتابة والشفافية في عينيها براءة الأطفال وبريق الطموح للتفوق للترقي لبلوغ المرام مع نصوص الكاتبة الأدبية. والنثرية تعيش في عشق دائم للمفردات والجمل المصوغة بحبر القلب وريشة الألق المتجدد في كل يوم
مع الكاتبة المبدعة فاطمة بدور ندور في ميدان الجمال ثم نصل لقمة التميز مع كل بزوع شمس
موقع ومجموعة صوتنا للمدى الإعلامية ينشر الخواطر الأدبية والنثرية للمبدعة فاطمة بدور كل أسبوع على أمل أن نحلق كالفراشات في سماء ابداعها المتوقد
الإعلامي جلال فيتروني
ليس لنا
ها قد حان الوقت، غداً سيحلُ علينا ضيفاً عزيزاً و غالياً و ها هي سيدة البيت قد هزمت جميع نساءِ الحي، و اعدت أفضل ما يلزم لاستقباله فعلى أسرتنا وضعت الألبسة الجديدة كاملةً من “البابوج الى الطربوش”، و اهمها حذاءُ العيد، و كنا صغاراً نسمح لهُ ان يدخل فراشنا ليبث السعادة و الفرح في يومٍ طال انتظاره.
كما هيأت الماكولات الشهية من ورق العنب و الكبة المشوية و المقلية، و اللحم بالعجين، و يقابلها المعمول بالجوز و اللوز و الفستق و التمر، ولم تبخل علينا بالترمس، البزورات و كل ما تشتهي و تستذوق حضِر لعيدنا الكريم. فيا مرحبا بك يا عيدُ!ّ!!
“سلامٌ عليك ايها الاضحى”.
و بعد اشهر قليلة، تلبس الأرض ثوبها الأبيض الناصع و كأنها لؤلؤةٌ بيضاء مكنوزة تنتظر فجراً ليزيدها بريقاً و لمعاناً.
في هذا الموسم من كل عام تتحضر الأرض و من عليها للزينة و الطعام
و الحلويات و كل ما تشتهي العين و ترغب. فلا تنحصر الزينة داخل البيوت بل تمتد ضفائرها لتطال الشوارع، الطرقات و الساحات و بخاصة الأشجار.
كنت افرح كثيراً بحضور هذا العيد الكريم بالرغم اننا في ضيعتنا ما كنا نحضر شيئا له بل نعلم بقدومه من خلال التلفزيون.
لقد كبتت رغبتي عادات و تقاليد نشأنا عليها، و لكن طفح الكيل و عيل صبري سأطلب منها و دونما تردد
أمي :” أريد ان أذهب لأشاهد الزينة و احصل على هدية من سانتاكلوز.”
منذ كنت طفلةً صغيرةً و أنا أتأمل من بعيدٍ فرح العيد لديهم يأتي كانهيارٍ ثلجي يغرق الكون بعبقٍ من نشوة المحبة و الألفة.
أريد ان أتلذذ معهم بالغبطة التي يتقاسمونها كبيرهم و صغيرهم، فقيرهم و غنيهم. أريد ان أغفو صبياً صغيراً تحت أغصان شجرةٍ خضراء محلاةٍ بكراتٍ حمراء، بيضاء و ذهبية. أريد أن أصحو على أنوارها تملأ أحداق عيوني، و دفءٍ من رجلٍ لا تطول ذقنه و لاينحل جسده، مذ كنت صغيرةً و هو يغدق هداياه على الجميع، أنا اليوم أتأبط بذراعيه، و اشد عليهما كي أنعم بعظمة الفرح.
وفجأةً، سكنت نجوم السماء عيني، وتلألأت. يا الهي حصلت على هديةٍ ذات شرائط ذهبية! ما أجمل طريقة توضيبها! لا أريد ان افتحها. أريد أن أتمتع بشكلها وفيما بعد سوف أنزع الأوراق و أدرك ماذا أهداني حلمي الاحمر الجميل.
أمي لو علمت ماذا يعني لي هذا العيد لأمسكت بيدي و أخذتني اليه، الى حلمٍ طالما راودني، الى نفسٍ تائقةٍ لتحقيقه، آآآه لو أصحو و أجد نفسي قرب المدفأة وتحت الشجرة و الهدايا تملأ المكان…
أمي أرجوكِ قوليها ليسكن بي مشوارٌ اسعى لأمشيه
قوليها همساً
قوليها بالأشارة
أومئي اليَ برأسك الكريم على أنك موافقة
نعم، أنا تائقةٌ للاستمتاعِ معهم بهذا النهار المقدس.
دعيني أشتعل ب”نعم” منك، براكين رقصٍ و فرحٍ و أتلاشى في الجو و أتناثر غبار أملٍ لأطفالٍ غيري يعيشون هذا الحلم العزيز.
لكن… كلمةٌ و احدة أردفت بها، أطلقتها من شفتيها دون أن تدري ماذا أحرقت بداخلي، و ماذا شوهت، و بأي همجيةٍ كسرت أحلامي الصغيرة البريئة و أين؟؟؟ عند ضفاف العادات و التقاليد.
كلمةٌ واحدة صعقتني كلمعٍ دخل من رأسي و شج جسدي و أسقطني من حلمي الجميل على ارضٍ صخرية ناشفة لا حياة فيها و لا لون، صلبة مثل العادات و التقاليد التي تفرق المجتمعات عن بعضها، و تبني أسواراً عاليةً بين كل ملةٍ و دين. كلمةٌ واحدة توسمت سماعها بعد كل ما نضحت به عن رغبتي و الحاحي الشديد للمشاركة في هذا اليوم العظيم، كلمةٌ واحدة هزت دماغي و عقلي و روحي و جسدي:
“ليس لنا”
خرجت منها ببرودة الثلج و سكون الحجر، جوابها لي ذبحني في لحظة، و لكنه ما زادني الا يقيناً بأن الله عز و جل يحب الجميع و لكن علينا نحن البشر أن نحب بعضنا “لنحا معا في مجتمع واحدٍ سعداء بنعمة رب السماء.”
سلام مني اليك ايها الميلاد المجيد.




