صوتنا للمدى

إلغاء الإعدام بلبنان بصيغة تسوية وإرضاء طائفي

إلغاء الإعدام بلبنان بصيغة تسوية وإرضاء طائفي

إلغاء عقوبة الإعدام… بصيغة تسوَوية

🗞️ زينب حمود – الأخبار

وأخيراً، أقرّ المجلس النيابي اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام، الذي أعدته «الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية». فتحقّق حلم الراحل وليد صليبي، الذي اشتهر بشعار: «جريمتان لا تصنعان عدالة».
ما حصل، أنه بعد أخذ وردّ طويل حول العقوبة البديلة، توافق النواب على تعديلات اقترحها النائب عبد الرحمن البزري في أول الجلسة، بعدما «توافق عليها 23 نائباً سنياً»، على حدّ قوله. وتنص التعديلات على استبدال عقوبة الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة للجرائم المرتكبة قبل صدور القانون، وبالأشغال الشاقة المؤبدة المشددة للجرائم المرتكبة بعد إصداره.
وهكذا تمّ إرضاء النواب السُّنة الذين أردوا التمييز بين المحكومين السابقين والجدد، ليستفيد «الموقوفون الإسلاميون» من إلغاء عقوبة الإعدام، ومن ثم العفو العام، بما يتيح خروج أكبر عدد منهم من السجن. وفي نفس الوقت، تمّ إرضاء النائب ملحم خلف عبر الحفاظ على هرمية العقوبات واستبدال الإعدام بعقوبة أخرى. كذلك، وبطلب من النائبة بولا يعقوبيان، أُضيفت على المواد الملغاة مادة من قانون العقوبات العسكري، تنصّ على عقوبة الإعدام.
وكان النائب جورج عطا الله قد حاول إعادة طرح الصيغة التي اقترحها في لجنة الإدارة والعدل، والتي تقوم على استبدال عقوبة الإعدام بعقوبة السجن المؤبد المشدد غير القابل للتخفيض والاستفادة من أي قانون عفو عام، طالباً التصويت عليها. لكن رئيس مجلس النواب نبيه بري تجاهل طلبه، مُكتفِياً بعرض الصيغة التي قدمها البزري على التصويت برفع الأيدي. فرفع كثير من النواب أيديهم، وأُعلن إقرار اقتراح القانون فوراً، رغم أن أحداً لم يعدّ الأيدي المرفوعة، ما دفع نائباً من التيار الوطني الحر إلى التعليق خلال تصفيق زملائه: «ما صار تصويت بعد».
وكان التيار البرتقالي قد رفض التصويت، كما انسحب نواب حزب الله من القاعة قبله، «حتى لا نصوت مع ولا ضد، ولنكفّ عنكم خيرنا وشرنا»، كما أبلغ نواب حزب الله المعنيين. لكن نائب الحزب حسين الحاج حسن، كان له مداخلة حادة، انتقد فيها «قانوناً يمنح قاتل مئات الشهداء في التفجيرات الإرهابية التي طاولت الضاحية الجنوبية تخفيض العقوبة إلى 17 سنة سجنية فقط». ويردّ المستشار القانوني للهيئة رفيق زخريا على ذلك بأن «قانون الإعدام لم يأتِ على ذكر تخفيض العقوبات، وذلك لن يحصل تلقائياً في قانون العفو العام، الذي سيميز بين أحكام صادرة وأخرى ستصدر، وبين الجرائم وفق نوعها».

التعديل أرضى النواب السنّة والنائب ملحم خلف… والتيار الوطني الحر رفض التصويت وحزب الله انسحب

كذلك، عبّر النائب جهاد الصمد في مداخلة حادة أيضاً عن رفضه القاطع «التصويت على أي قانون يخالف الشريعة الإسلامية».
ورغم احتفاء الهيئة بإلغاء عقوبة الإعدام، شكلت العقوبة البديلة التي نصّ عليها القانون «خيبة لنا»، تقول رئيسة الهيئة أوغاريت يونان، مشيرةً إلى أن الصيغة النهائية «تشرِّع إعداماً من نوع آخر»، وتوضح أن «الأشغال الشاقة غير مفعلة، والعقوبة المشددة غير موجودة أصلاً». أما عقوبة السجن المؤبد، «فستكون مادة النضال الجديدة باعتبارها عقوبة غير عادلة، وتضيّع حياة الفرد داخل السجن، بما يتنافى مع مفهوم إعادة التأهيل».
ومع ذلك، كانت الهيئة مضطرة لـ«مسايرة» النواب المعارضين، بهدف تمرير اقتراح القانون وإلغاء الإعدام أولاً، وبعدها «لكل حادث حديث». وعليه، «سيستكمل النضال من أجل تصحيح الثغرات الواردة في القانون الجديد»، تؤكد يونان. وسيكون ذلك بالتوازي مع إطلاق حملات لتوعية المجتمع باستمرار «حتى لا تحصل مطالبات بإعادة عقوبة الإعدام ضد جرائم شنيعة تهز المجتمع»، إلى جانب المطالبة بحقوق ضحية الجريمة الأولى، ولا سيما التعويض على العائلة، وحقوق المرتكب أيضاً، عن طريق إطلاق ورشة لإصلاح السجون بما يضمن إعادة تأهيل المرتكب.
أما المسار الأساسي الذي يجب أن يَلي إلغاء عقوبة الإعدام فهو العمل على الحد من انتشار الجريمة عن طريق معالجة أسبابها، بدلاً من الاكتفاء بمعاقبة المرتكبين. ويبدأ الإصلاح الحقيقي بـ«مكافحة الفقر وتأمين الحقوق الأسياسية، واعتماد سياسات تربوية تعزز المواطنة وتنبذ الطائفية، وتوفير تنشئة نفسية واجتماعية سليمة، إلى جانب معالجة ثقافة الثأر وترسيخ ثقافة الحوار وقبول الاختلاف».
في النهاية، ورغم كل شوائب القانون الجديد، يبقى إقراره إنجازاً مهماً في طريق صون الحق في الحياة، ووضع حد لعقوبة الإعدام الأكثر قسوة، التي تنهي حياة المحكوم عليه بـ«شحطة قلم» قاضٍ، وبصورة لا تتيح المراجعة أو تصحيح الخطأ. كما أنها فرصة لتطوير فلسفة العقوبة من مفهوم الانتقام إلى العدالة وإصلاح المجتمع والردع. وهذا نتاج عمل نضالي تراكمي للهيئة على أكثر من صعيد في مواجهة العنف، أثمر في أكثر الأوقات التي يتعرض فيها لبنان واللبنانيين للعنف، «ما عكّر صفو فرحتنا»، تقول يونان، متمنيةً «لو حصل الإقرار في ظروف أخرى».

شارك المقال