مقال د. رباب وهبي يحلل نتائج تعثر مفاوضات تامبا
“لا اتفاق يطمئن لبنان واللبنانيين… فهل يعود شبح الحرب”
بقلم: د. رباب يوسف وهبي
لم تكن اجتماعات تامبا الأخيرة تفصيلًا عابرا في مسار المواجهة بين لبنان وإسرائيل. فخروج الوفدين من دون تقدم واضح، مع استمرار الخلاف على وقف العمليات الإسرائيلية وآلية تنفيذ التفاهمات الأمنية، يطرح سؤال يتجاوز مصير المفاوضات نفسها. هل لا تزال واشنطن قادرة على احتواء التصعيد، أم أن المسار السياسي بدأ يفقد قدرته على التأثير في الميدان؟
والمشكلة أن لبنان دخل هذه الجولة من الاتصالات وهو يواجه واقع لم يتغير في الاصل. فإسرائيل تواصل عملياتها في الجنوب، والانسحاب من الأراضي اللبنانية لا يزال موضع خلاف، فيما لم تتوصل الأطراف إلى صيغة مقبولة لتنفيذ الالتزامات الأمنية المتبادلة. وهذا يعني أن التفاوض لم ينجح حتى الآن في معالجة الأسباب التي تُبقي الجبهة مفتوحة على احتمالات التصعيد.
وما جرى في تامبا يكشف جانب من هذا المأزق. فلبنان يريد وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، ويتمسك بآلية للتحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية بمشاركة أطراف ثالثة، في المقابل، يبقى الخلاف قائم حول كيفية مراقبة انتشار الجيش اللبناني، وحول الشروط التي تربطها إسرائيل بإنهاء الوجود العسكري لحزب الله في مناطق الجنوب. وبين هذين الموقفين، لم يظهر حتى الآن اتفاق عملي يضمن تنفيذ التفاهمات ويمنع استمرار العمليات العسكرية.
لكن تعثر المفاوضات لا يعني بالضرورة أن الحرب الواسعة أصبحت قرار محسوم. فالدول قد تستخدم الضغط العسكري لتحسين شروطها السياسية، وقد ترفع مستوى التهديد من دون أن تكون قد قررت الانتقال إلى مواجهة شاملة. غير أن استمرار هذا النهج يحمل مخاطر واضحة، خصوصا عندما لا تكون هناك آلية فعالة تضبط العمليات وتمنع توسعها.
من هنا، ينبغي التمييز بين احتمالين مختلفين. الأول أن تستمر إسرائيل في الضغط العسكري المتدرج، من خلال الغارات والاستهدافات والعمليات المحدودة، بهدف فرض ترتيبات أمنية أكثر ملاءمة لها. والثاني أن تتجه إلى توسيع عملياتها إذا خلصت قيادتها إلى أن الضغط الحالي لم يحقق الأهداف المطلوبة، أو أن الظروف السياسية والإقليمية باتت تسمح بخطوة أكبر. ولا تتوافر معطيات كافية للجزم بأن الاحتمال الثاني أصبح قرار نهائي.لكن تعثر المسار السياسي يجعل استبعاده أمر غير واقعي.
وتكمن أهمية هذا التمييز في أن استمرار الضربات لا يحقق بالضرورة كل الأهداف التي قد تسعى إليها إسرائيل. فالقدرة على تدمير مواقع أو استهداف بنى عسكرية لا تعني تلقائيا القدرة على تثبيت واقع أمني مستقر على المدى الطويل. كما أن أي توسع بري ستكون له حساباته وكلفته ومخاطره، ولن يكون مجرد امتداد آلي للعمليات الجارية. لذلك، فإن قراءة المؤشرات العسكرية تحتاج إلى النظر في طبيعة التحركات وأهدافها، لا إلى اعتبار كل تصعيد مقدمة حتمية لاجتياح واسع.
وفي المقابل، لا يمكن التعامل مع استمرار العمليات الإسرائيلية باعتباره مجرد وسيلة ضغط تفاوضي لا أكثر. فحين تتواصل الضربات وتتأخر ترتيبات الانسحاب وتبقى القضايا الأساسية معلقة، يصبح الواقع الميداني نفسه عاملا في تحديد شروط أي تسوية مقبلة. وقد يؤدي طول أمد هذا الوضع إلى فرض وقائع يصعب تغييرها لاحقاً، سواء تعلق الأمر بحرية الحركة في المناطق الحدودية أو بعودة السكان أو بقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها.
وهنا تظهر نقطة الضعف الأساسية في المسار الحالي، إذ لا يوجد حتى الآن توافق على ترتيب واضح للخطوات المتبادلة. فلبنان لا يريد أن ينفذ التزاماته فيما تستمر الاعتداءات والوجود الإسرائيلي، وإسرائيل تربط ترتيباتها الأمنية بمطالب تتعلق بسلاح حزب الله. وبين الموقفين، يبقى السؤال عن الجهة التي ستضمن التنفيذ، وعن الجهة التي ستحدد ما إذا كان أحد الطرفين قد أخل بالتزاماته، وعن الإجراءات التي ستُتخذ عند وقوع خلاف جديد.
هذه ليست تفاصيل تقنية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الاتفاق، بل هي جوهر الاتفاق نفسه. فالتفاهمات التي لا تتضمن آلية رقابة واضحة ومراحل تنفيذ محددة تظل معرضة للتعثر، حتى لو وافقت الأطراف بشكل مبدئي على أهدافها. وقد أثبتت التطورات الأخيرة أن استمرار الاجتماعات وحده لا يكفي لوقف العمليات أو إزالة أسباب التوتر.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن المواجهة الإقليمية، وخصوصا العلاقة بين إسرائيل وإيران. فالتوتر بين الطرفين يضيف عاملا آخر إلى الحسابات اللبنانية، ويجعل استقرار الجبهة أكثر تأثرا بالتطورات التي تتجاوز الحدود. لكن من الخطأ افتراض أن أي تصعيد بين إسرائيل وإيران سيؤدي حتما إلى حرب جديدة في لبنان. فذلك يتوقف على حسابات متعددة، بينها أهداف الأطراف، وكلفة المواجهة، والموقف الأميركي، ومدى استعداد كل طرف لتحمل تبعات توسيع الصراع.
في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل التحذيرات المتداولة من احتمال تصعيد سياسي وأمني في المرحلة المقبلة. فالمخاوف من تداعيات تعثر اجتماعات تامبا، لا تعني إعلان عن قرار بالحرب، ولا تكفي وحدها لتحديد توقيتها أو نطاقها، وما يمنحها أهميتها هو أنها تأتي في ظل استمرار العمليات العسكرية وغياب التقدم التفاوضي، لا لأنها تثبت أن المواجهة الشاملة أصبحت حتمية.
أما لبنان، فيواجه مشكلة تتجاوز معرفة ما إذا كانت الضربة المقبلة ستقع غدا أو بعد أسابيع. فالدولة مطالبة بحماية السكان، والحفاظ على دور الجيش، ومنع تثبيت واقع أمني دائم خارج سلطتها، فيما لا يزال الخلاف الداخلي حول السلاح وقرار الحرب والسلم يلقي بثقله على قدرتها على إدارة الملف. ولا يمكن بناء استقرار طويل الأمد إذا بقي قرار الحرب منفصل عن المؤسسات الرسمية، كما لا يمكن مطالبة الدولة بتحمل مسؤولياتها كاملة في ظل استمرار الاعتداءات والاحتلال وتعثر الانسحاب.
وهذا يضع السلطة اللبنانية أمام اختبار سياسي صعب. فالمطلوب ليس الاكتفاء برفض الشروط الإسرائيلية أو التمسك بالمطالب اللبنانية في الاجتماعات، بل تحويل هذه المواقف إلى مسار تفاوضي واضح، يحدد الالتزامات المتبادلة والضمانات وآلية التنفيذ. كما أن حماية السيادة لا تتحقق بمجرد إعلانها، وإنما بقدرة الدولة على تثبيت سلطتها وحماية أراضيها وسكانها، ومنع استمرار المواجهة بوصفها واقعا مفتوحا لا أفق واضحة لإنهائه.
في المقابل، فإن أي تسوية تتجاهل استمرار الاعتداءات أو تؤجل الانسحاب إلى أجل غير محدد لن توفر أساسا مستقرا للتهدئة. كما أن ترك مسألة السلاح وقرار الحرب والسلم من دون معالجة سياسية داخلية سيبقي لبنان عرضة لتكرار المواجهات، حتى لو نجحت الاتصالات في خفض التصعيد مؤقتا. فالمطلوب معالجة المسارين معًا: إنهاء الاعتداءات والوجود الإسرائيلي، وتعزيز قدرة الدولة على إدارة القرار الأمني والعسكري. وبالتالي فإن فرص التهدئة لم تتحول بعد إلى اتفاق قابل للتنفيذ. وتعثر مفاوضات تامبا، واستمرار العمليات الإسرائيلية، والخلاف على شروط الانسحاب والترتيبات الأمنية، كلها عوامل تبقي احتمال التصعيد قائم. أما الانتقال إلى مواجهة أوسع، فيظل مرتبطا بما ستقرره الأطراف في ضوء حساباتها العسكرية والسياسية والإقليمية. والأخطر هو تحوّل غياب الاتفاق إلى وضع دائم، تُفرض فيه الوقائع على الأرض فيما تتراجع قدرة الدولة على التأثير في مسار الأحداث. لذلك، فإن السؤال لم يعد محصورًا في موعد الحرب المقبلة، بل في قدرة لبنان على منع تحويل التهديد العسكري إلى وسيلة دائمة لفرض الشروط. فكل يوم يمر من دون ضمانات واضحة ووقف فعلي للاعتداءات يزيد كلفة الانتظار، ويجعل الوصول إلى استقرار حقيقي أكثرصعوبة. .





