رباب يوسف وهبي

مقال د. رباب وهبي حول معاناة العمال في لبنان 2026

مقال د. رباب وهبي حول معاناة العمال في لبنان 2026

نبذة عن الكاتبة

رباب يوسف وهبي
باحثة وأكاديمية لبنانية، دكتورة في التاريخ الحديث والمعاصر والعلاقات الدولية من جامعة بيروت العربية – لبنان.
أستاذة تاريخ في ملاك التعليم الرسمي الثانوي، وكاتبة في الشؤون السياسية والتاريخية وقضايا التحول في الشرق الأوسط.

“عيد العمال في لبنان…غصّة في القلب ووعود على الورق”
بقلم: د. رباب يوسف وهبي
​يطلّ عيد العمال على اللبنانيين هذا العام، ولا جديد تحت الشمس سوى أن الوجع كبر والجيوب فرغت أكثر. في كل سنة، تمتلئ الشاشات وصفحات التواصل الاجتماعي ببيانات التهنئة وكلمات التقدير للسواعد السمراء وبناة الوطن، لكن المفارقة المبكية هي أن هذا العامل الذي يمدحونه في خطاباتهم، بات يخرج من بيته كل صباح لا ليعيش، بل ليركض خلف رغيف خبز لم يعد يدرك ثمنه بين ساعة وأخرى.
​اللافت أن الطبقة السياسية، بمختلف ألوانها، تجيد رصّ الكلمات، فمنهم من يتحدث عن الصمود الأسطوري، ومنهم من يربط تحسن الأجور باستقرار سياسي يبدو أنه لن يأتي قريبًا، ومنهم من يطالب بتعديل الرواتب وكأنه يعيش في بلد آخر. الحقيقة أن هذه التصريحات باتت تشبه النصوص المحفوظة التي تُقرأ في المآتم،كلمات جميلة لكنها لا تعيد الميت، وفي حالتنا هذه، لا تعيد للعامل كرامته المهدورة على أبواب المستشفيات أو في طوابير الانتظار. وخلف هذه اللغة المنمّقة، هناك أب يحسب ألف حساب لثمن ربطة الخبز، وأمّ تقايض أحلام أولادها بأساسيات العيش. الأجر الذي كان يستر العائلة، أصبح اليوم مجرد أرقام هزيلة فقدت معناها وقيمتها أمام جنون الأسعار. العمل في لبنان لم يعد وسيلة للاستقرار، بل تحول إلى صراع يومي لتأجيل السقوط الكبير. بتنا نرى هجرة جماعية للعقول، وبطالة تنهش الشباب، ووظائف بلا ضمان صحي أو حماية اجتماعية، وكأن العامل صار وحيدًا في غابة اقتصادية لا ترحم.
​المسألة ليست مجرد نقص في الأموال، بل هي شعور بالغربة داخل الوطن. أن تعمل طوال حياتك ثم تكتشف أن تعويض نهاية خدمتك لا يشتري لك دواءً لشهر واحد، هو قمة القهر الإنساني. لهذا السبب، لم يعد الأول من أيار يومًا للاحتفال، بل صار موعدًا سنويًا لتذكّر الخسارات وتجديد الشعور بالخيبة من دولة عجزت عن حماية ناسها الذين ينتجون الحياة فيها . لقد اصبح العامل اللبناني في موقف غريب، هو البطل الذي يُطلب منه أن يحمل البلد على كتفيه المنهكتين ليخرجها من أزمتها، وهو في الوقت نفسه أول من يدفع ثمن قرارات خاطئة لم يتخذها. والحقيقة المُرّة التي يجب أن تُقال هي أن العامل لا يحتاج لقصائد مديح ولا لبوستاتتهنئة، بل يحتاج إلى أجر يحترم إنسانيته وسوق عمل يضمن له مستقبله. فالتكريم الحقيقي ليس في يوم واحد بالسنة، بل في سياسات تعيد للقمة العيش طعم الكرامة لا طعم الذل.

شارك المقال