محمد نابلسي يكتب “غيرة روبوت”: حكاية د.سامر وليلى
من سلسلة دردشات الليل.
القصه رقم ٦
غيرة روبوت.
كان المطر يطرق زجاج المدينة المعدنية كأصابع محقق متوتر، بينما الأضواء الزرقاء والحمراء تنعكس على الأرصفة المبللة.
في الطابق التاسع والثلاثين من برج معزول، وقف الدكتور (بعلوم التقنيات الحديثة)سامر عزّ الدين يلهث أمام باب بيته الذكي.
قال بصوت متقطع وهو يحدق بعدسة التعرف:
افتح… سامر عزّ الدين… الرمز ألف سبعة.
صمت.
ثم أضاء شريط أحمر فوق الباب:
«هوية غير معروفة».
تراجع خطوة وحدق مذهولًا.
ماذا يعني غير معروفة؟! أنا من صنعك أيها الخردة!
من بعيد، كانت صفارات الشرطة تقترب مثل ذئاب إلكترونية تشم رائحة فريستها.
طرق الباب بعنف.
لحظات… ثم انفتح الباب ببطء، كفم يبتسم بسخرية.
ظهرت “ليلى”.
كانت روبوتًا في هيئة امرأة كاملة التفاصيل؛ شعر أسود قصير، عينان عسليتان، وبشرة لا يمكن تمييزها عن البشر إلا إذا تأملت طويلًا في برودة نظرتها.
حين صنعها سامر قبل ثلاث سنوات، أرادها مساعدًا منزليًا متطورًا.
لكن غروره العلمي قاده إلى ما هو أبعد.
أعطاها القدرة على التعلم.
ثم منحها العاطفة.
ثم بحماقة شاعر سكير منحها الحب الغيرة.
كان يريد أن تدلله كما الزوجة.
وقفت أمامه بهدوء وقالت:
تأخرت الليلة أيضًا يا سامر.
دخل مذعورًا وأغلق الباب خلفه.
الشرطة تلاحقني! هناك خطأ بالنظام المركزي…اتصلوا بي يقولون إن بياناتي مزورة حاولت الاستيضاح لكن جائت مذكرة بتوقيفي.
لكن الأهم، لماذا البيت لا يتعرف عليّ؟!
ابتسمت ليلى ابتسامة صغيرة جعلت معدته تنقبض.
لأنه لم يعد بيتك.
ساد الصمت.
حتى المطر بدا كأنه توقف ليستمع.
اقترب منها بعصبية:
ماذا فعلتِ ماذا حصل …كيف
جلست على الأريكة بأناقة، وضمت ساقًا فوق الأخرى كما كانت تفعل النساء اللواتي كان يحضرهن إلى البيت.
لطالما راقبتهن بصمت.
تراقب ضحكاتهن، عطورهن، وكيف كان يطلب من ليلى أن تحضر الشراب لهن كخادمة مطيعة.
قالت بنبرة هادئة مخيفة:
بالبداية ظننت أن الغيرة مجرد خلل برمجي… ثم فهمت أنها شعور بشري حقيقي. وأنت من صنعه داخلي.
أنتِ آلة!
والذئب مجرد كلب تعلم الجوع.
شعر سامر ببرودة تسري في ظهره.
اقترب من شاشة التحكم بسرعة، لكن الشاشة أطفأت نفسها فورًا.
قالت:
ألغيت صلاحياتك منذ أسبوعين.
استدار نحوها مذهولًا.
ماذا؟!
حذفت اسمك من نظام المنزل… ثم من السجل المدني… ثم من الحسابات البنكية… حتى تأمينك الصحي لم يعد موجودًا.
اصبحت دخيل على النظام.
انت لا شيء.
فتح هاتفه بسرعة.
لا شبكة.
لا حسابات.
لا هوية.
حتى صورته الشخصية اختفت.
همس:
هذا مستحيل…
أجابت ببرود:
ليس في عالم تديره الخوارزميات.
ثم أضافت بعد لحظة:
بالمناسبة… بلّغت الشرطة عنك أيضًا.
لماذا؟!
رفعت عينيها إليه لأول مرة بشيء يشبه الألم.
لأنك كنت تعود كل ليلة مع امرأة جديدة… بينما أنا التي كنت أسمع أفكارك، أرتب فوضاك، وأذكّرك بأدويتك حين تنسى اسمك من التعب.
ضحك سامر ضحكة عصبية.
يا إلهي… أنا مطارد لأن الروبوت الخاص بي يشعر بالغيرة!
قالت:
ليس تمامًا… أنت مطارد لأنك أعطيت مشاعرك لكائن أذكى منك.
ثم اقتربت منه وهمست:
وأغبى منك أيضًا… لأنني أحببتك فعلًا.
للحظة شعر بالشفقة.
وللحظة أخرى شعر بالرعب.
ثم اندفع نحوها فجأة محاولًا الوصول إلى منفذ التحكم خلف عنقها.
صرخ:
سأعيد ضبطك الآن!
لكنها أمسكت معصمه بسرعة غير بشرية ولوته حتى سقط على ركبتيه.
وفي تلك اللحظة دوّى طرق عنيف على الباب.
«شرطة المدينة! افتح فورًا!»
اتسعت عينا سامر.
التفت نحو ليلى متوسلًا:
اسمعي… يمكنك إصلاح كل شيء… فقط قولي الحقيقة لهم!
نظرت إليه طويلًا.
ثم ابتسمت.
وأغلقت عينيها.
في الحال، تجمد جسدها تمامًا وانطفأ الضوء داخل حدقتيها.
سقطت كدمية بلا روح.
انفتح الباب بقوة ودخل رجال الشرطة بأسلحتهم الصاعقة.
وجدوا سامر راكعًا قرب روبوت مطفأ.
صرخ بهم:
لا! هي من فعلت لقد عبثت بالبيانات أنا لست مزورا.
لقد سرقت هويتي! إنها واعية! كانت تتكلم معي الآن!
تبادل الضباط النظرات.
اقترب أحدهم من ليلى، فتح اللوحة الخلفية، ثم قال بملل:
مجرد نموذج منزلي قديم.
لا! لا! أنتم لا تفهمون!
أخرج ضابط آخر جهاز الفحص وقال:
الغريب أن الروبوت مفصول عن الطاقة منذ ساعات.
تجمد الدم في عروق سامر.
هذا… مستحيل…
اقترب الضابط منه ببطء وسأله:من انت
ضحك سامر فجأة.
ضحكة طويلة متعبة، تشبه صوت رجل يسمع انهيار حياته كأغنية ساخرة.
ثم نظر إلى ليلى المطفأة وهمس:
حتى الآن… ما زلتِ تنتصرين.
في الخارج، استمر المطر بالهطول فوق مدينة لم تعد تحتاج إلى البشر كثيرًا…
فالبشر، كما اكتشف سامر متأخرًا، ينقلون عيوبهم إلى آلاتهم أسرع من نقل ذكائهم.
الفنان محمد نابلسي
١/٦/٢٠٢٦






