د. باسم عساف: تسوية الاتفاق الإيراني بين التقية والنفاق
كتب الباحث والمحلل السياسي الدولي ، الدكتور باسم عساف مقالته لجريدة وموقع البستان الإلكتروني ، بعنوان :
تسوية الإتفاق …
بين التقية والنفاق …
المفاعلات النووية الإيرانية ، لم تكن وليدة اليوم ، ولم تكن وليدة الصدفة الإقتصادية والطاقة التنموية ، إنما جاءت بتهيئة سياسية ، شاركت في إنشائها ، وتزويدها بالتجهيزات والمواد والخبرات ، روسيا وألمانيا وكوريا الشمالية والصين ، وكان ذلك تحت أعين ومسمع أميركا وإسرائيل ، وباقي الدول العظمى ، التي كانت تعرف كل التفاصيل منذ تسعينات القرن الماضي ، عندما إتخذ قرار إنشائها ، وبدأ العمل بها ، فيما تم تمرير مضمونها وتخصيبها العادي ، حتى وصلت به إلى المستويات العالية ، التي تصنع وتصدٌِر بها السلاح ذي الرؤوس النووية ، والقصد من معرفة كل تلك الجهات ، هو إرهاب الدول العربية ، وخاصٌَةً تهديد وإبتزاز الخليجيةُ منها ، لتمرير عدة رسائل لها تتعلق ب :
١ – التمهيد لتنفيذ خارطة الطريق ، التي رسمتها الصهيونية لتقسيم أراضي المنطقة العربية ، المحيطة بالكيان الصهيوني ، وتفتيت دولها وشعوبها ، طائفياً ومذهبياً وعرقياً ، وتكوين الدويلات منها ، ولتكون دولة إسرائيل الكبرى ، هي التي تقودها وتسيٌِر أمورها ، وفق الخارطة المزعومة …
٢ – دخول أميركا على درب خارطة الطريق ، لتجديد مصالحها السلطوية الإقتصادية والمالية ، وإبتزاز الإنتاج العربي والخليجي بالذات ، ضمن خطة كيسنجر : بالخطوة خطوة ، نحو قيام الشرق الأوسط الجديد ، والسيطرة على المنطقة تحت مسميات الديمقراطية الخلاقة ، التي بدأتها مع موجة الربيع العربي ، وأطاحت بعدٌَة رؤساء وأنظمة عربية ، للتمهيد بإرساء المتغيرات المنتظرة للمنطقة …
٣ – دخول إيران على خط التغيير الديموغرافي في المنطقة ، مترافقاً مع التغيير الديمقراطي فيها ، بما يُسمى بالربيع العربي ، وأطاحت مع أميركا بالرئيس والنظام والجيش العراقي ، ودعمت وثبتت مع أميركا ، الرئيس والنظام والجيش السوري ، وثبتت ودعمت مع النظام السوري ، المقاومة الشيعية فقط في لبنان ، كما ناصرت ودعمت الحوثيين ضد النظام والرئيس اليمني ومن آزره ، وهذا جميعه يتوافق مع درب الشرق الأوسط الجديد ، لذا فقد غضَّت أميركا وإسرائيل ، النظر عن قيام المفاعلات النووية الإيرانية ، لتكون مصالحها في تكوين البعبع للدول العربية والخليجية ، وإعتبارها العدو الأول لها ، من أجل إستسلامها لإتفاقات التطبيع مع الكيان الصهيوني ، والسير في الديانة الإبراهيمية المفبركة والمزعومة ، كما ذكرها ترامب مؤخراً في تصريحاته المتقلِّبة : بأنه بقي عدة دول لم تدخل بها ، وهي تسير على هذا الدرب …
بعد إحداث المتغيرات في المنطقة، وبعد أحداث غزة وإبادة أهلها ، والقضاء على الحياة فيها ، ووضعها مع الضفة الغربية تحت الهيمنة الصهيونية التي أخذت الضوء الأخضر دولياً ، بالتوسع والتمدد وإحتلال الأراضي ، التي تخطِّط لتشملها ، من الفرات إلى النيل …
وقد برز في تصريحات نتن ياهو وقادة الكيان ، الشروع ببدء الفصل الأخير من خارطة الطريق ، وذلك بتهديد إيران ولعب دورها بساحات الإسناد لغزة ، والبدء بإغتيال قادة الحرس الثوري وحزب الله ، واستغلال خلع الرئيس والنظام السوري ، لتدمير الجيش وأجهزته ، وتجييش الطوائف والمذاهب ، وإحتلال الأراضي والتلال فيها ، كما في الجنوب اللبناني ، وفرض شروطها بنزع السلاح من أيدي الحزب ، ليتسنى لها الوصول إلى أهدافها المتلاحقة في القضم ، على قاعدة : الخطوة خطوة ، بتجسيد خارطة الطريق لشرق أوسطٍ جديدٍ …
بقيت الصواريخ الباليستية وتصنيع السلاح النووي ، بيد إيران ، هما المصدر الذي يُقلق الكيان الصهيوني ، ولا لزوم لهما في ظل السيطرة على الوضع العسكري والأمني والسياسي ، بالإضافة إلى الإقتصادي والإنتاجي والمالي ، من قبل أميركا ، لذا فقد تلازمت المصالح بينهما ، لإزالة هذا التهديد بالقوة ، بعدما لم تنفع الإتفاقات السلمية الرعوية ، حول الصواريخ والمفاعلات النووية ، وتمنَّعت إيران عن تنفيذها ، حيث تعدَّت نسبتها المعتمدة وهدفها التكتيكي وليس الاستراتيجي…
وكان قرار الحرب الصهيوني ، الذي إستجابت له أميركا ، بأطماع ترامب السلطوية والمالية والتأديبية ، إلى أن فوجئوا بما تخبئه إيران من إستعدادات قتالية ، وتحكُّمٍ بالخليج وممراته ، رغم ما مُنيت به من خسائر بشرية قيادية ، وتدميرٍ للبنية الإقتصادية والتنموية ، مما حدا بترامب إلى وقف إطلاق النار والميل إلى إتفاقية سلام بشروط النصر وفرض القوة ، مع تدخل واسطات التفاهم …
وبدأت جولاتٌ جديدةٌ من الصراع الديبلوماسي والسياسي ، ليُبدي كل طرفٍ مكامن القُوَّة ، التي تُنقِذه من مشهدية الهزيمة ، وإظهار السيطرة على الموقف ، من خلال المَدِّ والجَزر ، بالتصريحات وإعلان الإتفاق ، كلٌ من وجهة نظره ، دون أن يغيب عن بالنا ، مقصد الدور المعني بإرهاب الدول العربية ، والخليجية بالذات ، وإشراكها بالحرب ، حيث تدور الدائرة عليها ، وهنا بيت القصيد ، للغاية التي إنطلقت منها فكرة الصراع ، والمصالح المشتركة لأميركا والكيان الصهيوني ، ونرى معها طرق إستخدام الأساليب التي يتمتع بها كل جانب ، أكان ذلك من تحت الطاولة ، أو من فوقها ، وأهمها ما يجري خلف الكواليس ، وهذا ما تدل عليه تصريحاتهم المتناقضة والمتقلِْبة ، حتى تتم تسوية الإتفاق ، وفق التقيَّة والنفاق …






